وجهة نظر

رد اعتبار الشيخ على عبدالرازق

2018-11-22 19:41:01 |
  • محمود بسيونى
  • محمود بسيونى

    كثيرًا ما حاولت أن أتخيل محاكمة الشيخ على عبدالرازق أمام هيئة كبار العلماء بالأزهر عام 1925، معاصروه قارنوا بينها وبين محاكمة عالم عصر النهضة الإيطالى جاليليو، الذى تحدث عن مركزية الشمس بدلًا من مركزية الأرض وهو ما تسبب فى اتهامه بالكفر.

    وحكم عليه بالإعدام ثم تم تخفيفه إلى الإقامة الجبرية، أما الشيخ عبدالرازق فقد أصدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذى تساءل فيه عن سند الخلافة، وأثبت فقهيًا أنها ليست من ثوابت الدين، فعاقبه الأزهر بنزع شهادته العلمية الأزهرية.

    تحول كتابه إلى أيقونة من أيقونات الليبرالية المصرية، شجاعة تأخرت أجيالًا عديدة صمتت على جرائم نظام الخلافة ضد المسلمين، الشعب المصرى المسلم كان ضحية الخلافة العثمانية، يقول جمال الغيطانى فى كتابه الاستثنائى "تجليات مصرية قصائد الحجر" إن الاحتلال العثمانى دخل مصر معتمدًا على الخيانة التى تعرض لها المماليك، وكان عدد سكانها 8 ملايين نسمة، وحينما جاءت الحملة الفرنسية بعد 300 عام تقريبًا، أحصت حوالى مليونى مصرى فقط، أى أن هناك 6 ملايين مصرى اختفوا خلال تلك الأعوام السوداء، ناهيك عن تجريف الفن والإبداع المصرى بتهجير الحرفيين والمبدعين المصريين إلى الاستانة عاصمة الأتراك.

    كان الشيخ على عبدالرازق وهو قاضٍ شرعى حصل على درجة العالمية من الأزهر، ودرس بجامعة أكسفورد بإنجلترا، نموذجًا لرجل الدين صاحب الرؤية فى مجالات غير دينية، وقرر تحدى جمود الأزهر بسؤال بسيط "ما هو سند الخلافة.. هل هو القرآن؟ أم السنة؟ أم إجماع المسلمين؟"، ويقول: القرآن والسنة لم يتعرضا مطلقًا لموضوع الخلافة، لأنها لم تكن أبدًا حكمًا من أحكام الدين الإسلامى، كما أن الإجماع فى التاريخ الإسلامى لم ينعقد أبدًا على خليفة، ثم يقول: "ليس لنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين، فالحكم والحكومة والقضاء والإدارة ومراكز الدولة هى جميعًا خطط دنيوية، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة".

    ويؤكد أن القرآن والسنة لم يرد فيهما أى ذكر لفكرة الخلافة كنظام سياسى ملزم للمسلمين، وكل ما جرى فى أحاديث الرسول الكريم من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة لا يدل على شىء منوهًا بأن الخلافة لا تقوم إلا على القهر والظلم"، ويفرق الشيخ بين ولاية الرسول وولاية الحاكم أو الخليفة، فولاية المرسل إلى قومه ولاية روحية منشأها إيمان القلب وخضوعه خضوعًا صادقًا تامًا، وأما الحاكم فولاية مادية تعتمد على إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلب اتصال.

    ويوضح أن الرسول لم يعين من بعده خليفة، وأن الذين تزعموا المسلمين من بعده ومن بينهم الخلفاء الراشدين، كانت زعامتهم مدنية أو سياسية وليست دينية، وأن أبى بكر هو الذى سمى نفسه خليفة، وأن بيعته كانت ثمرة لجدال ثم اتفاق سياسيين، ومن ثم كان حكمه مدنيًا وكان اجتهاده دنيويًا ولا علاقة له بفكرة الدولة الدينية.

    ثار المتشددون على الكتاب الذى تزامن مع انهيار الخلافة العثمانية بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى وظهور كمال أتاتورك، ووقف مع الشيخ التيار التنويرى من المتعلمين والدارسين فى الخارج والإعلام ممثلًا فى إصدارات ذلك الزمان مثل مجلة الهلال والمقتطف، إلا أن الأزهر دخل المعركة لمساندة الملك فؤاد الذى كان يحلم بنقل الخلافة من بنى عثمان إلى أسرة محمد على.

    اجتمعت هيئة كبار العلماء برئاسة شيخ الأزهر محمد أبوالفضل بحضور 24 عضوًا، واستدعت الشيخ وحاكمته باعتباره عضوًا فيها، وحاصلًا على شهادة العالمية، وقاضيًا شرعيًا، وبعد ساعتين من الجدل والنقاش مع آذان صماء، أصدرت المحكمة قرارها: "اجتمعت هيئة كبار العلماء فى 12 أغسطس 1925، وقررت نزع شهادة العالمية من الشيخ على عبدالرازق ومحو اسمه من سجلات الجامع الأزهر وطرده من كل وظيفة لعدم أهليته للقيام بأى وظيفة دينية أو غير دينية"،.

    عقب صدور الحكم أسرع شيخ الأزهر بالإبراق إلى الملك شاكرًا له غيرته على الدين من عبث العابثين وإلحاد الملحدين وحفظ كرامة العلم والعلماء، وأُرسل القرار إلى عبدالعزيز فهمى باشا وزير العدل لتوقيعه والتصديق عليه، لكن عبدالعزيز فهمى رفض التوقيع واتخذ موقفًا شجاعًا ليس فقط فى مواجهة الأزهر وشيخه وهيئة كبار علمائه، وإنما أيضًا فى مواجهة الملك، وكتب: "استحضرت هذا الكتاب وقرأته مرة وأخرى فلم أجد فيه أدنى فكرة يؤاخذ عليها مؤلفه، بل على العكس وجدته يشيد بالإسلام ونبى الإسلام ويقدس النبى تقديسًا تامًا ويشير إلى أن النبوة هى وحى من عند الله والوحى لا خلافة فيه، ومن ثم ثقل على ذمتى أن أنفذ هذا الحكم الذى هو ذاته باطل لصدوره من هيئة غير مختصة بالقضاء، وفى جريمة الاتهام بالخطأ فى الرأى من عالم مسلم يشيد بالإسلام، وكل ما فى الأمر أن هؤلاء الذين يتهمونه يتأولون فى تفسير أقواله كلها"، وانتهت هذه الغضبة باستقالة عبد العزيز فهمى ومعه ثلاثة وزراء هم محمد على علوبة باشا، وتوفيق بك دوس، وإسماعيل بك صدقى.

    كان كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بمثابة الحجر الذى حرك المياه الراكدة بعد قرون من الاستسلام، كما كان صرخة تجديد وتنوير نافعة للدين والدنيا، دراسة ما جاء فيه كانت واجبة بدلًا من محاكمة مؤلفه، ما جاء فيه كان سيغلق الباب أمام جماعة متطرفة مثل الإخوان وغيرها من التنظيمات الإرهابية لاستخدام أى سند دينى لتجنيد الأتباع والمغيبين بزعم إقامة الخلافة، وكانت دول مثل أفغانستان، وسوريا، وليبيا، والعراق، والصومال، ستتجنب خطر ظهور من يحاول إسقاط الدولة المركزية باسم الدين، أو يكفر المسيحيين ويحرق كنائسهم باسم الشرع، بينما صحيح الدين برئ تمامًا من أفعالهم.

    مرت الأيام وأثبتت صدق نظرية جاليليو فى عام 1983، وأصدرت الكنيسة الكاثوليكية وثيقة اعتذار لعالم عصر النهضة الأشهر، فهل يراجع الأزهر موقفه من كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بعد أن تطورت أنظمة الحكم فى العالم الإسلامى، واقتربت مما طالب به الشيخ عبدالرازق، ونجد من يعتذر للشيخ المفكر الذى كان ضحية المطالبة بتجديد الخطاب الدينى مع بداية القرن الماضى.

    محمود بسيونى
    إقرأ أيضاً
    مكملين والشرق.. جريمة البث المسموم 2018-12-10 21:53:27 الإيد الشقيانة فى الاتحادية 2018-11-30 11:38:20 نعم للتنمية لا للمنظمات المسيَّسة 2018-11-15 16:45:05 مصر.. بداية الحلم 2018-11-07 12:49:36 كشف حساب منتدى شباب العالم 2018-10-31 08:53:23 مصر والسعودية.. لن ترونا إلا معًا 2018-10-28 14:35:30 تنمية إفريقية بسواعد مصرية 2018-10-24 13:50:07 أى أمانٍ فى عالم مضطرب 2018-10-17 13:24:29 المذلول رقم 1 2018-10-08 17:01:17 أكتوبر.. الانتصار المتجدد 2018-10-03 15:24:00 بطل 30 يونيو فى مهمة لإنقاذ العالم 2018-09-27 13:53:24 قصاصات جنيف 2018-09-19 14:23:42 مستقبلك الذى لن تراه فى هاشتاج 2018-09-01 17:41:01 أردوغان يبيع الإخوان فى سوق النخاسة 2018-08-14 17:12:26 أخونة التيار الناصرى 2018-08-07 17:17:42 مؤتمرات الشباب.. سلاح الردع 2018-07-30 20:11:36 الاستثمار فى البشر 2018-07-26 13:55:42 تحيا مصر والسودان 2018-07-19 15:38:26 على خط النار 2018-07-12 11:11:06 مفاجآت الحكومة الجديدة 2018-06-14 16:34:36 طريق الآلام بدأ من الدوحة 2018-06-07 17:20:14 رصاص بلا دوى 2018-05-31 12:33:56 فى انتظار معارضة متطورة 2018-05-21 16:11:10 الشيطان يسكن أكاديميات تنمية المهارات 2018-05-09 16:58:59
    للأعلى