وجهة نظر

قياس الأثر التشريعى للقوانين

2018-11-09 08:55:41 |
  • محمد أبو حامد
  • محمد أبو حامد

    أعطت المادة 123 من الدستور لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها، و قد استخدم الرئيس عبدالفتاح السيسى هذا الحق مع مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية والإكلينيكية، والمعروف إعلاميًا بـ"التجارب السريرية" حيث أعاده للبرلمان.

    واستخدمه الرئيس أيضا مؤخرا لمطالبة مؤسسات الدولة بإعادة الحوار والمناقشة حول قانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017 تمهيدا لإعادة تقديمه مرة أخرى إلى مجلس النواب، وأشار إلى أن القانون صاحب إصداره تخوف أدى إلى أن يخرج بشكل فيه عوار، وبالتأكيد فإن قرارات الرئيس بهذا الخصوص جاءت بعد قياس الأثر التشريعى له، والذى أظهر ما سبق الإشارة إليه فى كلامه بمنتدى شباب العالم، ولهذا فإنه قد أصبح من الواجب على مجلس النواب أن يبادر بإنشاء آلية لقياس الأثر التشريعى للقوانين قبل إصدارها، حيث إنه لا توجد أية تقاليد أو سوابق فى قياس الأثر المحتمل للتشريعات والرقابة اللاحقة لإصدارها.

    ويستخدم قياس الأثر التشريعى لأى قانون جديد يصدره البرلمان قبل وضعه موضع التنفيذ، لتقديم تقييم مفصل ومنهجى للآثار المحتملة لهذا التشريع من أجل تقييم ما إذا كان التشريع سيحقق فلسفته التشريعية والأهداف المرجوة منه أم لا، كما يؤكد النهج الاقتصادى لقضية التشريع أيضًا على المخاطر العالية بأن تتجاوز تكاليف التشريع فوائده، وتنبع أهمية الحاجة إلى هذا الإجراء من حقيقة أن التشريع عادة ما يترتب عليه العديد من الآثار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، والتى يصعب التنبؤ بها دون دراسة مفصلة وتشاور مع الأطراف المعنية، خصوصا أن التشريعات تعالج ظواهر اجتماعية وبالتالى فوضع مؤشرات كمية لقياس الأثر المحتمل لتطبيقه ليس بالأمر السهل، ويحتاج إلى توفير منظومة متكاملة تحدد درجات التأثير على المجتمع وعلى موارد الدولة سلبا وإيجابا، وهذا يحتاج إلى توافر بعض الإمكانيات المادية واللوجستية والفنية والتقنية وقبلها إرادة سياسية.

    وتعتبر منهجية قياس أثر التشريع "Regulatory Impact Assessment"، "RIA"، من أفضل الممارسات المعاصرة لكونها آلية لقياس المنافع والتكاليف الخاصة بالتشريعات قبل إصدارها، ويعد أول تحليل للأثر التشريعى بهذه المنهجية هو "تقييمات أثر التضخم" التى طلبتها إدارة الرئيس كارتر فى الولايات المتحدة عام 1978، وقد تم توسيع شرط تحليل الأثر التشريعى أثناء إدارة الرئيس ريغان بتقديم تحليل المنافع والتكاليف ليصبح هو الأسلوب المنهجى المطلوب، وحاليا تستخدم جميع دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تحليل الأثر التشريعى، وقد بدأ البنك الدولى أيضا يوصى عملاءه من الدول خاصة النامية بتنفيذ متطلبات تحليل الأثر التشريعى.

    ولعل أهم فائدة يحققها البرلمان من تطبيق تحليل قياس الأثر التشريعى لمشروعات القوانين قبل إصدارها هو التحول من أسلوب اتخاذ القرارات القائم على عنصر القانونية فقط إلى أسلوب يرتكز أكثر على الدلائل المتعددة والتى توفر رؤية أشمل للقضايا محل التشريع، بما يحقق التنسيق والتجانس بين مختلف السياسات العامة للدولة، ويشجيع التفكير الأفقى والجمعى لمؤسساتها، كما أنه يساعد أعضاء البرلمان على معرفة آراء الأطراف المعنية ومنهم الدوائر الانتخابية الخاصة بالأعضاء، والتعبير عن جماعات الضغط أو المصالح المجتمعية، وهذا يؤدى إلى الوصول لبدائل وحلول متنوعة لمعالجة المشاكل والقضايا المطروحة أمام البرلمان ليختار منها أكثرها ملائمة وتحقيقا للمصلحة العامة.

    محمد أبو حامد
    للأعلى