وجهة نظر

المنبر المفخخ

2018-11-08 14:58:56 |
  • د.محمد فياض
  • دكتور محمد فياض

    يأتى المنبر كأحد أقوى وسائل الإعلام الدينى فى مصر، حيث قام فى فترات تاريخية طويلة بأدوار خطيرة تدفعنا لتصنيف بعض المنابر أنها كانت بمثابة "منابر مفخخة".

    وفى الحقيقة فقد قام بعض شيوخ المنابر بأثر تخريبى على العقل المسلم، ويأتى الشيخ كشك كأحد أبرز الذين قاموا بنشر الفكر الأصولى فى مصر، فالرجل الذى نال إعجاب الكثيرين بأدائه المسرحى على المنابر استطاع أن يخترق الفطرة المصرية فى وقتٍ من الأوقات.. كان نجم لما يسمى الدعوة الإسلامية، ولم يتوفر لأحدهم حباله الصوتية التى لا تضاهى، أو قدرته غير العادية على الارتجال.

    وفى كتابه "الفرعون والنبى" يعطينا جيلز كيبل تفصيلات مهمة عن الدور الخطير الذى مارسه الشيخ كشك على العقل المصرى، ففى عام 1964 أصبح إمامًا لمسجد "عين الحياة" بالقاهرة، والذى يشتهر باسم مسجد الشيخ كشك فى حى حدائق القبة بالقاهرة بالقرب من حيين فقيرين هما الزيتون، والعباسية.

    ويشكل هذان الحيان وهما من أكثر أحياء المدينة ازدحامًا بالسكان مصدر الكتلة الأساسية التى تحضر خطب الشيخ يوم الجمعة حيث يتوافد المصلون على المسجد سيرًا على الأقدام، وهناك من يأتى من أقصى أطراف المدينة ليستمع للشيخ.

    وينتمى معظم الحضور إلى الجماهير الفقيرة، والمسجد نفسه بنى وسط أحد مشاريع الإسكان الشعبى الذى أُقيم لمحدودى الدخل فى فترة الستينات.

    وفى ذات السياق، فقد استطاع كشك أن يخلق حالة من الكره تجاه المسيحيين، كما استطاع أن يؤسس لنظرية مؤامرة يحيكها المسيحيون ضد مصر، فقد تحدث فى عشرات الخطب أن البابا شنودة يسعى لتأسيس دولة مسيحية فى مصر تمتد من أسيوط للإسكندرية يربط بينها شريط قطار، وبأنه سيستعين بأمريكا لتنفيذ هذا المخطط، كشكل من أشكال التشويه الذى مورس ضد المسيحيين من مشايخ الأصولية.

    وعلى جانب آخر يأتى مسجد المطراوى القديم كأحد منابع الأصولية التى أفسدت بساطة التدين المصرى، فكان أحد التجمعات الجهادية القديمة، حيث كان يخطب فيه الشيخ آدم حسن إسماعيل، القيادى الجهادى، والذى برز فى مرحلة السبعينيات، وكان رجلًا مسنًا تتلمذ على يديه كثير من قيادات الجهاد القديم أمثال عبدالرؤوف، أمير الجيش، ومحمد عبدالسلام ورفاعى سرور.

    وللشيخ آدم خطبة شهيرة كانت توزع فى الأوساط الجهادية فى عصر الرئيس الراحل محمد أنور السادات، أطلق منها أول فتوى لقتل الرئيس السادات، حينما أفتى على المنبر بأن "من فى بيته ثلاجة وليس فى بيته بندقية فهو آثم، ومن فى بيته بندقية ولم يحاول قتل السادات فهو آثم"، وهو أساس فتوى قتل السادات قبل محمد عبد السلام فرج.

    ويأتى الشيخ إبراهيم عزت ضمن رَكْب المشايخ الذين استخدموا المنبر فى تفخيخ العقل المصرى، ومنبع خطورة الرجل أنه أسس جماعة التبليغ بمصر، ومن الأمور ذات الدلالات القوية أنه كان مذيعًا بالتليفزيون المصرى، وقدم عددًا من البرامج، أشهرها برنامج "بيوت الله"، حتى استقال منه وتفرغ تمامًا لقيادة جماعة التبليغ.

    ومن المعروف أن جماعة التبليغ كانت المنبع الأكبر لتفريخ معظم القيادات الإرهابية والمتطرفة ليس فى مصر فقط بل فى العالم الإسلامى، ومن المتطرفين الذين تخرجوا من هذا المسجد، خالد الإسلامبولى، الذى كان دائم الحضور معه بمسجد الجمعية الشرعية بملوى، ومحمد عاطف، وعبود الزمر.
    ومن آراء ابراهيم عزت ضرورة الخروج للجهاد على أنه الخروج فى سبيل الله، وكان يقول "الخروج لا بد منه مرة فى العمر، وإلا فإن الإنسان سيموت ميتة جاهلية، لأنه لم يجاهد ولم يهتم بأمر المسلمين".

    أما الإرهابى الأبرز عمر عبدالرحمن، فقد جاء الفيوم فى منتصف الستينيات من القرن العشرين، ويعمل إمامًا وخطيبًا بأحد مساجد الأوقاف بقرية فيديمين بمركز سنورس لتكون الفيوم أولى محطاته فكان يخطب الجمعة بعدد من المساجد بمدينة الفيوم ومنها مسجد التقوى بالنويرى، ومسجد الشهداء بتقسيم مصطفى حسن ويتنقل بين أكثر من مسجد بالمحافظة لإلقاء خطبته المثيرة ،وبعد رحيل الرئيس عبدالناصر وتولى الرئيس السادات مقاليد الحكم أفتى بتكفيره فكان أحد الأذرع الفقهية التى استند عليها قتلة الرئيس السادات.

    ويأتى مسجد العزيز بالله وشيخه الدكتور محمد جميل غازى كأبرز المساجد التى اعتُبرت معاقل التطرف فى مصر، فالغلو فى التشدد ظهر بقوة على رواد هذا المسجد منذ أواخر السبعينيات بعد أن سيطر التيار السلفى على هذا المسجد، واستطاع هذا المسجد أن يحافظ على طبيعته السلفية حتى الآن وخرج منه عشرات الشباب الذين انضموا إلى جماعات أخرى مثل جماعات التكفير والجماعات الجهادية التى تبيح العنف والقتل والتدمير.

    وهكذا ساهمت بعض المنابر فى تخريب العقل المصرى وتفخيخه وبث روح الكراهية والتكفير وإقصاء الآخر.

    محمد فياض
    إقرأ أيضاً
    مشروع الرئيس الفكرى 2018-09-07 12:28:19 أنت مش أنت.. وأنت ياسر برهامى 2018-08-13 09:01:01 فضيحة أن تكون إخوانيًا 2018-07-27 09:31:13 المرأة فى فكر الجماعات الإسلامية المتشددة 2018-07-11 09:54:16 أبناء سامية شنن 2018-06-30 10:25:10 فى حفلة عمر خيرت لم يحضر أحد من الدواعش 2018-06-23 08:46:49 متحف الخراب 2018-06-13 14:51:03 بعض أدوات السيطرة العقلية على أبناء الجماعات المتشددة 2018-05-29 13:42:47 بروتوكولات حكماء إخوان 2018-05-11 12:02:59 عندما صار للمصريين ضهر 2018-04-03 09:51:51 أحلام أحفاد كسرى.. سيكولوجية السياسة الإيرانية 2018-03-12 08:23:48 صليل الصوارم «النسخة الشعبية» 2018-03-06 15:03:43 نساء الغل الإخوانى 2018-02-24 09:13:20 مأساة التدين الشعبى 2018-02-17 18:19:37 الورد اللى فتّح فى جناين فيرمونت 2017-12-11 13:25:16 لماذا يشوه الإخوان جدران الوطن؟ 2017-12-04 11:17:28 بابا خدنى أصلّى معاك 2017-11-26 11:52:38 الشنطة فيها كتاب دين 2017-11-20 08:21:29 متحف الكائنات الإخوانية المنقرضة 2017-11-14 14:36:59 افتكاسات وتحليلات الكائن المثقف العميق 2017-11-06 08:14:44 القرضاوى.. العمامة المفخخة 2017-10-31 09:19:22
    للأعلى