وجهة نظر

نفوس هشة

2018-11-08 09:53:55 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    قالت له: "أنا لن أستطيع أن أحيا ما دمت قد منعت حبك عنى.. ولم يدرك هو أنها تعنى كل حرف مما قالت.. فتركها ليعيد التفكير فى الأمر.. فأنهت حياتها".

    نعم ليس هذا حقيقيًا.. هى إحدى قصص مسلسل "نصيبى وقسمتك"، وهو بالمناسبة من المسلسلات الواقعية الهادفة الممتازة فى الفترة الأخيرة.

    أعود للقصة التى "انتحرت" بطلتها.. صحيح أنها مجرد قصة، ولكنها لا تبعد كثيرًا عن الواقع.. فى القصة يتعرف الشاب الليبرالى العائد من أوروبا على جارته الغامضة الجميلة التى تعيش بمفردها فى الفيلا المجاورة، وهى منغلقة على نفسها ولا يسهل أن تتعرف على أحد.. ولولا محاولاته الصابرة المتتالية لما وافقت على التحدث إليه.

    هو ذو طموح سياسى كبير، وبالفعل بدأ الناس يعرفونه وصار يلقى قبولاً واسعًا بين الشباب، وبخاصة بعد أن بدأ فى تكوين حزب سياسى ليبرالى شبابى جديد.. على صعيد آخر، تنمو معرفته بجارته الحسناء وتزيد مقابلاتهما ويصير الإعجاب حبًا.

    فى أمسية ما تحكى له قصتها.. توفى والداها وهى ذات اثنى عشر عامًا، وعاشت مع جدتها التى لحقت بالوالدين تاركة الشابة الصغيرة الجميلة لتنحرف فى طريق الضلال رغم نجاحها الفائق فى العمل كـ"موديل".. تحكى له أنها تم القبض عليها فى قضية دعارة وتعترف أنها كانت مذنبة.. تحكى له أنها تابت تمامًا وتزوجت ثرى عربى بعد خروجها من السجن، ولكنه توفى أيضًا تاركًا لها الفيلا التى تعيش فيها وبعض المال.

    هى إذن من ضحايا الظروف السيئة، ولكنه من أصحاب الطموح الذى يرتبط بنظرة المجتمع.. المجتمع الذى يحكم بقسوة على كل من كان له ماض مثل ماضيها.. المجتمع الذى لم يتعلم أبدًا معنى كلمة الغفران.. يخرج هو مصدومًا ويفكر كثيرًا ويقاوم تلك الأفكار التقليدية المجتمعية ويفكر جديًا فى الزواج بها.. ومع أول مناقشة مع صديقه اللصيق يواجه البطل النظرة المجتمعية الواقعية من خلال كلمات صديقه عن السمعة.. الطموح السياسى.. ماذا عن أولادك؟ إلى آخر ذلك من معطيات الواقع.

    ويبتعد البطل عنها.. يصم أذنيه عن محاولاتها المستميتة للاتصال به ولو حتى هاتفيًا.. هو لا يتخيل أن بعض الناس ممن عانوا فى حياتهم قد يكونوا أصحاب نفسية هشة.. هو لا يفهم أن تأنيب الضمير، ولوم الإنسان لنفسه لدرجة أن يعتزل المجتمع بأسره هو نوع قاس من تعذيب الذات وهو أقسى من أى عقوبة سجن، لأن النادم سجان نفسه، وأن مثل هؤلاء يحتاجون لرؤية "الغفران" فى عينى شخص واحد فقط حتى يمكنهم أن يغفروا لأنفسهم.. هو لا يدرك أن مثل تلك الشخصيات تحتاج إلى "القبول".. والقبول من قبل شخص واحد فقط يكفيها لتقبل نفسها، ويكفيها كمبرر وحيد للحياة.

    بعض المشاهدين لم يتوقعوا النهاية.. قالوا أنه لن يتزوجها وهى ستحزن وتنهار وتنتهى القصة.. ولكن البعض الآخر ممن يرون فى الحياة مثل تلك النماذج، قالوا أنها ستنهى حياتها، ولكن السؤال الملح هنا هو: ألم تكن تعيش قبل أن تتعرف عليه؟ لماذا لا تكمل حياتها بالطريقة ذاتها التى بدأت بها القصة؟ لماذا لا تبقى فى عزلتها الاختيارية إلى أن تنتهى حياتها نهاية طبيعية؟ والإجابة واضحة: عندما دخل هو حياتها، واجتاز أسوارها، تعلقت بأمل الحب والغفران والقبول.. ألا نقول أن الحب يغفر؟ ألا ندّعى جميعا أن الحب يقبل الآخر قبولا تاما؟ ولكن ما حدث هو أنها رفضت.. تم رفضها من الشخص الوحيد الذى تعلقت آمالها كلها به وبقبوله لها.

    ربما لا نستطيع أن نلومه هو.. فنحن جميعا نحكم على الآخر ونرفضه ونلتزم بالقوانين الاجتماعية لا الانسانية.. ربما لا نستطيع أن نلومه لأنه ككثير منا لم يتوقع تبعات رفضه لها وقرار إحجامه عن الارتباط بها، وربما لأنه أحبها وهو لا يعلم ماضيها، وربما هو أيضًا ضحية القدر، وربما.. وربما.

    تبقى النهاية.. ألا وهى أنه فى منتصف الليل سمع صوت سيارة الإسعاف وصراخ خادمتها وبكاء رجل الأمن.. فجرى إلى منزلها ليكتشف أنها قد قطعت شرايين يدها وفارقت الحياة، ويقف مشدوها غير مصدق.. باكيًا.. نادمًا.. ربما لا نستطيع نحن أن نلومه ولكنه قطعًا سيحيى ما تبقى من حياته يلوم نفسه.

    إيرينى ثابت
    للأعلى