وجهة نظر

مصير المثقف فى عصر التحولات العلمية التقنية

2018-11-06 20:09:30 |
  • د.أشرف الصباغ
  • الدكتور أشرف الصباغ

    من الصعب الآن استعادة تعريف المفكر الإيطالى أنطونيو جرامشى للمثقف العضوى، والإصرار على وجود هذا النوع من المثقفين القادرين على التغيير بمعناه الاجتماعى – المعرفى الواسع.

    إن مسيرة التقدم العلمى – التقنى، ومحاولات تنميط الكائن البشرى فى السنوات العشرين الأخيرة، تجعلنا نراجع شكل الطروحات القديمة وظروفها دون التخلى عن جوهرها الإنسانى النبيل والفعال اجتماعيا ومعرفيا.

    فى الحقيقة، من الصعب أيضًا أن نتحدث عن تعريف واضح ومحدد للمثقف فى الثقافة العربية، فكل التعريفات والمفاهيم لكلمة مثقف مطاطة وهلامية، ومن الصعب الإمساك بها، أو بأى من جوانبها.. ربما لأن الثقافة بطبيعتها مادة حية ومتحركة ومتطورة، وربما لأن المثقف بطبيعته مرن وقادر على الاستيعاب والتطور والإنتاج وإعادة الإنتاج، وربما أيضا، بسبب غياب النماذج والمرجعيات والأنساق، ما أسفر عن وجود خلل ما فى الثقافة العربية جعلها تفشل فى تحديد ماهية الثقافة وجوهرها ودورها، ومن ثم فشلت فى وضع تحديدات وأطر قابلة للتحريك والتطور.

    وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن التوقف عن محاولات إنتاج تعريفات ومفاهيم للمثقف، لأنه ببساطة ابن زمنه ومرحلته التاريخية والاجتماعية والمعرفية، لقد سعى إدوارد سعيد دوما إلى التمييز بين المثقف العضوى والمثقف التقليدى، وذهب أيضًا إلى أن المثقف الهاوى أفضل بكثير من المثقف المحترف، لأن الأول يظل راديكاليا فى مواقفه وقادرا على الدوام على طرح القضايا والإشكاليات، وناقدا بحدة للواقع من حوله، كما ارتكز على أن دور المثقف هو دور يصل إلى مرتبة حامل "الرسالة".

    لن نتعرض كثيرا للتعريفات التى أطلقها المفكرون على المثقف، لأنها فى كل الأحوال كانت نتاج مراحلهم التاريخية ودرجة التطور العلمى – التقنى، ومستوى التطور الثقافى والمعرفى، وفى نهاية المطاف اعتمدت غالبية التعريفات على تراث نظرى – فلسفى، سواء عند إدوارد سعيد أو عند عالم الاجتماع الأمريكى سى. رايت ميلز، أو عند المفكر والروائى الفرنسى جوليان بندا، وكتابه المهم "خيانة المثقف" الذى صرخ من خلاله فى وجه المثقفين "المنحرفين"، فالتعريفات كثيرة، من بينها "المثقف العضوى" و"المثقف النقدى" و"المثقف التقليدى" و"المثقف البيروقراطى" و"المثقف النخبوى" و"المثقف المهنى" و"المثقف المحترف" و"المثقف الانتقالى" الذى تحدثت عنه شيرين أبو النجا فى كتاب بنفس العنوان.

    فى الواقع، المثقف يُحَمِّل نفسه حملا كبيرا عندما يفترض أنه يجب أن يقود أى انتفاضة أو احتجاج أو ثورة.. بالضبط مثلما يقع البعض فى فخ تشبيه المثقف بضمير أو بنبى الأمة أو حكيم الشعب أو "درة تاج الوطن"، فالمثقف مواطن عادى جدا مثل بقية المواطنين قد يتميز عن غيره بهذا الجانب أو ذاك، مثلما يتميز غيره عنه بأمور أخرى.

    لنحاول الابتعاد قدر الإمكان عن طرح التصورات النظرية أو ترديدها وتبريرها. ففى الأغلب، يحاول المثقف أن يطمس دوره إما بتضخيمه أو بجلد الذات، وأحيانا يلجأ إلى حيلة كلاسيكية ومفضوحة، ألا وهو الاستعلاء على المجتمع وتكفيره بما لا يفرقه فى أى شيء عن كل جماعات التكفير والتحقير والعنصرية، وفى الحقيقة، لا أحد يطالب المثقف بقيادة ثورة ما.. كل ما عليه هو أن يمارس دوره الحقيقى فى معركة التنوير والتراكم المعرفى وتراكم الوعى، بينما الواقع يلعب دوره التاريخى، على المثقف أن يتقن دوره ليس كضمير الأمة، وإنما بضمير حى بالمعنى الفلسفى وبحرفية ومهنية، بعيدا عن التخفى والاختفاء والاحتماء بأساليب مراوغة.

    "المثقف" لدينا يولى قدرا كبيرا من الاهتمام، إن لم يكن الاهتمام الكامل، بهويته الفكرية ومرجعيته الأيديولوجية على حساب رصد الواقع وبلورة رؤى واقعية وحقيقية وفق معطيات ذلك الواقع، وهو ما يؤدى فى نهاية المطاف بهذا "المثقف" إلى إنكار الواقع أو محاولة تزييفه بما يتفق مع رؤاه العقائدية أو ما يتمناه، وبالتالى لا يمكن أن ننتظر أن يعيد هذا المثقف إنتاج أى شيء، لأن النتيجة ستكون أسوأ بكثير.

    ويتساوى هنا المثقف "التقليدى – البيروقراطى" بأدواته المستهلكة والمبتذلة والبليدة مع المثقف "النخبوى" بأوهامه النظرية وتهويته الأيديولوجية، فنجد الأول مسيطرا فى اتجاه تدمير الثقافة والنسق الثقافى – المعرفى، بينما الثانى يتمتع بعزلته وتنظيراته الوهمية.

    ومع ثورة الاتصالات والفضاء الإلكترونى وعالم التواصل الاجتماعى تغير العديد من الأنساق المعرفية والعقائدية والسياسية، فلم يعد هناك أصدقاء وأعداء، لأن الكلمتين لم يعد لهما معنى محددا فى ظل تشابك المصالح، وبدلا من "الأصدقاء" أصبح هناك "شركاء"، وحل "الزبائن" و"الموردون" محل "الأعداء"، ما يملى علينا ضرورة ليس تغيير العدسة التى ننظر بها للواقع، بل إعادة النظر فى العدسة نفسها.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    وسائل الاتصال الحديثة والمفهوم التقليدى للنخب 2018-11-20 13:03:39 المهمة الأخطر للجيش الأوروبى الموحد 2018-11-13 09:54:51 مسامير جحا فى إدلب 2018-10-30 15:14:24 أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30
    للأعلى