وجهة نظر

موسم الولع بالهلع

2018-11-01 08:56:01 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    فى مثل هذا الموسم، كل عام نكتب منذ عدة أعوام عن احتفالية الهالوين التى صار مجتمعنا المصرى، من دون أسباب واضحة، يحتفل بها، وبالأخص فى المدارس الابتدائية.

    انتشر على الفيسبوك "بوست" من أحد الآباء المصريين يسخر فيه من الاحتفالية، و"الهلع" الذى تسببه للآباء والأمهات – على حسب تعبيره – لأن عليهم شراء ملابس تنكرية قبيحة لا علاقة لها بالتقاليد المجتمعية المصرية وغالية الثمن، رديئة الصنع، ليرتديها الطفل لمدة لا تتجاوز الساعتين فى احتفالية المدرسة بعيد الهلع.

    والحقيقة أن هذا العبء الاقتصادى الكبير على آباء وأمهات يسعون فى عصرنا الحالى لتوفير أجود تعليم تسمح به طاقاتهم المالية لأبنائهم، لا داعى له على الإطلاق.. لن يفيد الأبناء أن يرتدون ملابس عجيبة ويرون زملائهم من الأطفال يرتدون مثلها.. لن يفيد الأطفال أن تلتقط لهم الصور وهم فى تلك الملابس السخيفة ولا يوجد أى معنى ولا عنوان لتلك الصورة!

    أيضًا لا توجد أية قيمة للاحتفال بالرعب! لا على مستوى الصغار ولا الكبار.. على مستوى الأطفال، يرى كثير من المتخصصين أن ترسيخ صور القباحة والتنكر فى أشكال المجروحين والمصابين والموتى والأشباح وغيرها من مناظر الرعب، قد تتسبب فى مشكلات نفسية للأطفال ذوى الحساسية والخيال لأنهم فى تلك المرحلة يخلطون الخيال بالواقع، وقد تترسخ تلك الصور التى من المفترض أنها غير حقيقة، على أنها حقيقة مرعبة.. خصوصًا إذا رأى الأطفال تلك المشاهد متجسدة وتسير بينهم على أرض الواقع.. أى أن صورة الشبح أو الساحرة الشريرة أو حتى سوبرمان قد يعتقد الطفل أنها حقيقة.. نحن إذن نربك الطفل ونشوه الخيال البرىء ونخلطه بالواقع!

    وبالنسبة للكبار، تتلخص مظاهر الاحتفال فى حفلات التنكر المشوه، وتبارى فنانو التجميل فى مسابقات التقبيح – إن جاز القول – لقياس من هو الأبرع فى جعلك تصدق أن قبح هذا الوجه أو ذلك يبدو حقيقيًا جدًا.. كما أن أفلام الرعب تعد من ثوابت هذا الاحتفال تماما كأفلام العيد فى بلادنا، وعليك أن تذهب إلى السينما وتجلس مرتعبًا ومشمئزًا لساعتين من الزمن ترى فيها ظلمة ودماء وأشباح ومخلوقات مقززة وأصوات بشعة إلى آخر ذلك من تفانين الرعب.. وأعرف كبارًا يعانون لأيام وأيام من الكوابيس والأحلام المزعجة إذا شاهدوا فيلمًا من تلك الأفلام المرعبة!

    الاحتفالية إذن تتلخص فى إعلاء القبح والرعب! وتركز على التبارى فيمن يزيد قبحا ومن يرعب الآخرين أكثر! ولم أتوفق فى العثور على أى معنى حقيقى إيجابى لتلك الاحتفالية بغض النظر عن أن أصولها التاريخية الوثنية ما هى إلا طقوس خوف من الأرواح الشريرة! ربما فى البلاد الغربية يعتبرونها نوعًا من السخرية والضحك والعلو فوق الخوف، ولو أن بلاد كثيرة حول العالم بدأت فى اتخاذ إجراءات ضد مظاهر تلك الاحتفاليات فى الشوارع حتى لا يرتعب الأطفال، ومع ذلك فلهم تقاليدهم وتاريخهم ومبررات تلك الاحتفالات.

    لكن ماذا عنا؟ وماذا حدث لنا فى السنوات الأخيرة؟ استقدمنا عيد الحب فى فبراير وقلنا فلنحتفل بالحب.. لا توجد مشكلة، ولكن استقدام الهالوين فكرة لا مبرر لها سوى أن يكسب بعض تجار الملابس الرديئة أموالاً طائلة من جيوب الآباء المساكين، وأن يلهو الشباب فى دور السينما متباهين بقدراتهم الخارقة على مشاهدة الرعب والهلع.

    متى نستفيق من تلك الغيبوبة العولمية وندرك أن الشعوب الواعية تسير فى طريق العولمة الاقتصادية بخطى أسرع من الضوء، وتحافظ على هويتها الوطنية بتلميع وتحديث وتلوين تقاليدها وتراثها وأعيادها وتزرع كل هذا فى التلاميذ الصغار فينشأون بهوية وطنية وبتعليم عالمى!

    إيرينى ثابت
    للأعلى