وجهة نظر

قرار صعب

2018-10-18 08:07:27 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    لم أستطع الاختيار، ولا اتخاذ القرار، هل تقتل طفلًا واحدًا أم عدة أطفال لو كنت صاحب القرار؟ ها هى القصة وعلى القارئ أن يرى بنفسه.

    كان هناك مجموعة من الأطفال يلعبون بالقرب من مسارين منفصلين للسكة الحديد.. أحدهما معطل، والآخر يعمل.. وكان هناك طفل واحد يلعب على المسار المعطل، ولكن المجموعة الأكبر من الأطفال يلعبون على المسار غير المعطل.. وفى لحظة من الزمن إذا بمسؤول التحويلات والذى يستطيع وحده أن يحول مسار القطار، يرى القطار قادم بسرعة وليس أمامه إلا ثوان معدودة ليقرر فى أى مسار يوجه القطار.. وهذان هما الاختياران: إما أن يترك القطار يسير كما هو مقرر له فيقتل مجموعة الأطفال الذين يلعبون عند المسار المفتوح والطبيعى للقطار، أو أن يغير اتجاهه إلى المسار الآخر ويقتل الطفل الذى يلعب وحده عند المسار المعطل الآمن.. فأيهما يختار؟ ولو سألك أن تنصحه فماذا تقول له؟

    بالطبع سيرى معظمنا إنه من الأفضل التضحية بطفل واحد خير من مجموعة أطفال.. فهل يا ترى هذا هو القرار صحيح؟ هل فكرنا أن الطفل الذى كان يلعب على المسار المعطل قد تعمد اللعب هناك حتى يتجنب مخاطر القطار ومع ذلك يجب عليه أن يصير ضحية بسبب إهمال الآخرين؟ أما الأطفال الآخرون الذين فى مثل عمره فباستهتار ذهبوا للعب فى المسار العامل غير مبالين بقيمة الحياة، فهل يحيا المستهتر ويموت المتعقل؟

    هل من العدل أن نحكم لصالح الأغلبية فى كل الأحيان؟ وهل تتخذ القرارات المصيرية فقط باختيار الأغلبية؟ المنطق السريع سيقول نعم، ولكن المنطق المتروى يقول: ليس دائما.. بل ينبغى أن نحكم لصالح الصواب بغض النظر عن الأغلبية والأقلية.. ويقول أصحاب هذا الرأى أن الصواب هو أن يترك الرجل القطار ليسير فى مساره الصحيح ولا يقوم بتحويله على المسار المعطل الذى يلعب فيه الصبى المتعقل وذلك للأسباب التالية:

    أولا: الأطفال الذين كان يلعبون فى مسار القطار العامل يعرفون أن هذا هو المسار العامل وبالتالى سوف يجرون مبتعدين بمجرد سماعهم صوت صافرة القطار.

    ثانيا: لو تم تغيير مسار القطار فإن الطفل الذى يلعب فى المسار المعطل سوف يموت بالتأكيد لأنه لن يتحرك من مكانه عندما يسمع صوت صافرة القطار، إذ أنه يعتقد أن القطار لن يمر بهذا المسار المعطل بل من المسار المعتاد الذى لا يقف هو عنده.

    ثالثا: إن المسار المعطل غالبا غير آمن وبالتالى فإن تغيير مسار القطار إلى هذا الاتجاه لن يقتل الطفل المتعقل فقط، بل قد يودى بحياة ركاب القطار كلهم فبدلا من إنقاذ حياة مجموعة من الأطفال سيتحول الأمر إلى قتل مئات من الركاب بالإضافة إلى موت الطفل المحقق.

    القرار الصائب فى هذه الحالة إذن هو أن يُترك القطار ليسير فى مساره الطبيعى ولا يتم تحويله إلى المسار المعطل نهائيا.

    يبدو أن اتخاذ القرار ليس سهلا كما يظن كثيرون.. والتسرع فيه يجلب الخطأ.. واتباع الشائع ليس هو الصحيح دائما.. والتضحية بالأقلية فى سبيل حماية الأغلبية أيضا ليس بالضرورة هو القرار الحكيم ولا الاختيار الأفضل.. الاختيار مسؤولية والقرار أمانة والتعقل والهدوء والدراسة ضرورات لا غنى عنها للوصول إلى أصوب قرار وأفضل اختيار.

    إيرينى ثابت
    للأعلى