وجهة نظر

صندوق باندورا

2018-10-11 09:04:32 |
  • إيرينى ثابت
  • تحكى الأساطير اليونانية أن باندورا الشقية فتحت بدون وعى ولا روية صندوق الرذائل التى كانت مخفية!

    وصندوق باندورا أسطورة معروفة يشيرون بها إلى من يفتح مستودعات الأسرار وخزائن المشكلات وخصوصًا لو كانت قد أغلقت عليها الأبواب، قد يبدو لكثيرين، وخصوصًا هؤلاء الذين ينتمون للمقاعد القيادية فى مؤسسة أو شركة أو حتى فى الأسرة العادية، قد يبدو لهؤلاء أنه من الحكمة عدم إثارة المشكلات النائمة، وأن من الذكاء بقاء الوحوش النائمة، نائمة.

    وفى مثل تلك الحالات نسوق الكثير من الأمثال والحكم والموروثات، فنقول أن الأسلم ألا تمد يدك فى عش الدبابير، وأن الأفضل لو كانت باندورا قد تركت الصندوق مغلقا بما فيه من شرور، وشيئا فشيئا تتأصل لدينا حتى على المستوى الشخصى والتربوى فكرة أن السكون والسكوت والتغافل عن الأخطاء والشرور والفساد أكثر أمنا وتعقلا وأفضل من فتح عش الدبابير التى قد تخرج فتؤذى الجميع.

    وتمتد تلك النظرية "التى أظنها خطأ" لتجعلنا نتمادى فى إخفاء العورات والتستر على عظيم المشكلات لدرجة أن نكذب ونخفى ما قد يتسرب من صندوق باندورا من شرور متأصلة وموجودة، ندعى أنها ليست حقيقية، أو أن هذا خطأ صغير وليس عاما، أو أنه لا يمثل المجتمع كله ولا داعى للشك والخوف، ونجيش أسلحة الإعلام المضاد والسوشيال ميديا لنقلل حجم المشكلات قدر الإمكان أو لنطمس معالم المشكلة ونعيد إحكام غلق صندوق باندورا خوفًا على شكل المجتمع أو المؤسسة أو الشركة أو الأسرة!

    ثم تتسرب روائح العفن إذ أن اغلاق الصندوق على المشكلات والتستر عليها يجعلها تتعفن، وبدلًا من أن نفتح الصندوق ونطهر المحتويات، نسرع إلى شراء المعطرات وننثر رائحة المعطر علّها تقوى فوق رائحة العفن وتداريها، حلول مؤقتة وسطحية وفاشلة ولا تستطيع أبدا أن تمنع انفتاح الصندوق وخروج الشرور من داخله ولو بعد حين.

    لما انفتح صندوق باندورا وانطلقت منه الشرور "كما تقول الأسطورة" راحت تلك الشرور هنا وهناك وملأت الأجواء وظلت تتلاعب بالناس عبر الأزمنة وإلى وقتنا هذا، ولم تستطع باندورا ولا غيرها أن تعيد الشرور إلى الصندوق أبدًا، ولكن البشر تعايشوا مع تلك الشرور والعيوب والمشكلات عبر الآزمنة وظلت البشرية حية ومتطورة وسعى البشر لهزيمة المشكلات بالفكر والعلم والاكتشافات والاختراعات وتطوير المعيشة الإنسانية.

    ماذا لو كان الصندوق قد بقى مغلقا؟ وماذا لو كانت الشرور قد ظلت حبيسة لعقود طويلة وقال البشر: لا توجد مشكلة.. نحن بخير.. حتى وهم يشتمون من وقت لآخر رائحة المشكلات التى تتسرب من الصندوق بين الحين والآخر؟ الإجابة المتوقعة هى أن الصندوق كان سينفتح مرة واحدة مطلقا كل الشرور فى وجه البشر دفعة واحدة وهم غير متوقعين ولا مستعدين ولا مهيأين بعلم أو فكر يساعدهم على التغلب على كل تلك المشكلات.

    افتحوا صندوق باندورا بحرص، وغطوا أياديكم ونظفوا أعشاش الدبابير وتحملوا اللسعات الصغيرة غير المميتة والمشكلات الموجعة غير القاضية حتى ما لا تتفاقم تلك المشكلات وتتوحش تلك الدبابير وحينئذ سوف لا نستطيع مواجهتها، الحكمة ليست فى التستر على الأخطاء والعورات، والتعقل ليس فى نشر رائحة مبهجة لا تستمر إلا لساعات، الحكمة الحقيقية هى التعامل بحرص مع البثور والجروح والدمامل وفتحها بمشرط جراح ماهر وتنظيفها وتطهيرها أولا بأول وعلاجها بأيدى طبيب محنك.. هذه هى الحكمة، ألم يكونوا حتى عهد قريب يدعون الطبيب حكيما!

    إيرينى ثابت
    للأعلى