وجهة نظر

فى حب الرئيس ترامب

2018-10-09 13:30:51 |
  • د.أشرف الصباغ
  • أدركت النخبة الرأسمالية منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، ومع انهيار الاتحاد السوفيتى وظهور أطراف رأسمالية جديدة تطالب أو تسعى للمطالبة بحصتها، ضرورة تطوير المنظومة الرأسمالية.

    وبعد سنوات قليلة، تحوَّل هذا الإدراك إلى خطوات عملية مع بداية الأزمة المالية والاقتصادية التى ضربت العالم فى عام 2008، وأصبحت أصوات ممثلى النخب الرأسمالية، مثل جورج سوروس وغيره، تعلو وتتصاعد بشدة، متهمة المنظومة الرأسمالية بالتخلف، وتدعو إلى ضرورة تقليص المسافة بين النخبة التى تطورت جدًا وبين المنظومة التى تزداد تخلفًا.

    وهناك انطباع بأن هذه النخبة بدأت منذ تلك الفترة بالبحث عن شخصية أمريكية عملية ومتواضعة ذهنيًا، وبعيدة عن التنظير، وتميل إلى المغامرة، وغير مقبولة من جميع الأطراف، ولكن يجب أن يتم فرضها وفق نظرية الأمر الواقع والضرورة ليسهل التخلص منها بمجرد الانتهاء من دورها، ولعل شخصية الرئيس دونالد ترامب، فى هذا المقام، هى التى تجمع الكثير من المواصفات المطلوبة، بما فى ذلك عدم رضاء نخب الحزبين الديمقراطى والجمهورى عنها، وقلق شرائح عديدة من المجتمع الأمريكى منها.

    الأهم هو أن يكون لدى ترامب نفسه فكرة، ولو حتى كاذبة، بأنه جاء برسالة تاريخية للشعب الأمريكى ولتحقيق مصالح أمريكا، الأمر الذى سيسهِّل قيامه بالمهمة.

    لقد جاء ترامب بجهود جبارة من جانب النخبة الرأسمالية العالمية - الأمريكية لكى يدمر ببساطة معايير المنظومة القديمة، على الرغم من أنه يحاول من وجهة نظره المتواضعة للغاية الحفاظ عليها من رياح التغيرات والتحولات الدولية.

    وبالنسبة للنخبة الرأسمالية التى أتت به، لا يهم أن يقيم منظومة بديلة، لأن المطلوب هو تدميرها أو فى أحسن الأحوال تدمير الأجزاء القديمة والمتهالكة منها، ومن ثم إرساء أكثر من أمر واقع جديد تؤدى فى مجملها إلى تطوير المنظومة وجعلها أكثر وحشية وإجرامًا و"نعومة"، وهو ما سوف قوم به شخصيات وإدارات أخرى، فى اتجاه السيطرة ليس على الأسواق، كما كان فى المنظومة القديمة السابقة، وإنما السيطرة على مناطق كاملة من أجل تصريف الفوائض المالية وفوائض القيمة، والسيطرة على مصادر الطاقة وطرق نقلها، إضافة إلى تصريف شحنات السلاح، سواء فى مناطق الحروب أو فى غيرها، وهو ما يستلزم بطبيعة الحال إشعال بعض الحروب الصغيرة المتفرقة هنا وهناك.

    إننا بالفعل فى خضم حرب عالمية ثالثة بمعايير جديدة لا تستهدف تغيير العالم كله، بل ترقيعه عبر حروب موضعية محدودة من أجل ترقيع المنظومة الرأسمالية ككل، واستبعاد الأجزاء والمواضع المتهرئة واستبدالها بأخرى مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح المنظومة ونخبها، ما يعنى أننا لن نواجه حربا عالمية كلاسيكية على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية، لأن هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، وخصوصًا مع ظهور روسيا والصين كقطبين رأسماليين عالميين ينافسان ويصارعان على مناطق النفوذ والتأثير. وبالتالى، فنشوب حرب عالمية كاملة وواسعة يمكنه أن يتسبب فى خسائر فادحة للأقطاب المتصارعة.

    من المعروف أن المنظومة الرأسمالية بطبيعتها، تتعرض بشكل يكاد يكون دورياً لأزمات، مثلما حدث فى اتفاقيات التجارة الحرة من قبل، وكما حدث فى ثلاثينيات القرن العشرين، ولكن هناك اعتقاد سائد بأن الأزمة الحالية أكثر تشابهاً مع أزمة الرأسمالية فى الثلاثينيات، ولكن يجب أن نأخذ فى اعتبارنا الثورة التكنولوجية الجبارة، وثورة الاتصالات، وتطور التوسع الرأسمالى - الإمبريالى بالانتقال من السيطرة على الأسواق إلى السيطرة على المناطق. والأهم، هو وجود الدول الرأسمالية الكبرى، بما فيها روسيا والصين، فى خندق واحد يتسم بضراوة الصراع على هذه المناطق المذكورة.

    وفى الحقيقة، فهذه بديهية حتمية تعيدنا من جديد إلى أزمة الرأسمالية فى الثلاثينيات، وكيف خرجت منها بالحرب العالمية الثانية وبعض العوامل الأخرى المهمة، ولكن فى الوقت الراهن، ومع التطورات المذكورة أعلاه، من المستبعد بدرجات كبيرة أن تنشب حرب عالمية على غرار الحرب الثانية، وإنما ستكون حروب صغيرة فى مناطق عديدة وكلها مرتبطة ببعضها البعض شرطيًا، أو بشكل غير مباشر، إضافة إلى تغيير شكل الدول وحدودها عموماً، والدول القومية تحديدًا.

    لقد أصبح الصراع الرأسمالى العالمى المتوحش يفرض جملة من المعايير الجديدة، خصوصًا وأن روسيا دخلت حلبة الصراع، بينما نمط الإنتاج الصينى وطبيعة العلاقات الإنتاجية فى الصين، رأسمالية أيضًا، بل ورأسمالية متوحشة، ولكن السبب الأهم، من وجهة نظرى، هو أن طبيعة الرأسمالية العالمية القديمة الضاربة بجذورها، والتى تمتلك خبرات وإمكانيات ومقومات وتحالفات، باتت فى مأزق شديد يفرض عليها ضرورة تقليص المسافة بين النخبة التى تطورت بأفكارها ونظرياتها وبمنجزها التقنى - الاتصالاتى وبين المنظومة التى تكاد تتعفن، من وجهة نظر النخبة الرأسمالية نفسها.

    هنا يجب أن ننتبه لرؤيتنا ولحساباتنا لكى لا نقع فى الفخ الذى وقع فيه الاتحاد السوفيتى ومنظروه إبان أزمة الثلاثينيات، عندما هاجوا وماجوا ورقصوا وتغنوا بأن الرأسمالية تنهار، وفى نهاية المطاف، انهار الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو.

    المثير للاهتمام هنا، أن نفس هؤلاء المنظِّرين "الذين أصبحوا كبار السن" وورثتهم الشباب أيضًا فى بعض الدول، يأخذون الآن كلام النخبة الرأسمالية الحالية ويدورون به على الصحف والمواقع الإلكترونية ويملأون الدنيا صياحاً وزعيقاً وشعوذة بأن الرأسمالية تتقيح وتنهار بشهادة نخبها، غير أن النخب لا تقصد إطلاقا ذلك، وإنما المقصود هو النهوض بالمنظومة لكى تسير على نفس خط تطور النخبة.

    الرئيس ترامب مناسب جداً لهذه المهمة لما يمتاز به من لا مبالاة واندفاع وغرور، ونظرًا لأنه هو شخصياً لا يدرك أبعاد المهمة التى يقوم بها دون أن يدرى أصلاً، وفى نهاية المطاف، سيرحل عن هذه المهمة إما بعد 4 أو 8 سنوات.

    المهم إرساء أمر واقع جديد يتم العمل على تسييده فيما بعد عبر إدارات أمريكية - أوروأطلسية متوالية، ولا مانع بالطبع من إشعال حروب موضعية محدودة هنا وهناك، وتجميد معاهدات وإلغاء أخرى ونسف اتفاقيات وفى نهاية المطاف سيجلس الجميع حول طاولات مفاوضات، ولكن وفق الأمر الواقع الجديد.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11
    للأعلى