وجهة نظر

سيرة أبى والآباء الطيبين

2018-10-08 08:53:47 |
  • يسرى الفخرانى
  • عندما مات أبى، وهو فعلها صغيرا؛ لم أصدق، أنا لم أصدق حتى الآن أنه هكذا بكل بساطة طوى أيامه فى خِفة، وكما العادة بابتسامة، ومضى إلى حال سبيله فى أقل من يومين من خِدعة المرض الذى زاره ليلا.

    فاضت روحه وهو يتوضأ لصلاة المغرب جالسا، لازلت أصدق أنه اختبأ منى فى مكان ما، وأن الموت هنا ليس إلا لعبة من ألعاب الطفولة، لازال عطره ممتدا معى ووجهه حاضرا ضاحكا وطيبة قلبه، يعذبنى أننى قد عصرت آخر رحيق فى ذكريات، لكى لا تُضيعه منى زحمة الحياة وصخبها.

    الآباء الطيبون لا يموتون.. فى صفحة رواية أقرأها يظهر، فى شِباك سيارة تقطع مسافات بعيدة إلى حلم، فى حقيبتى وأنا أرتبها لسفر وأضع صورته فى مكان آمن بين مصحف وكتاب، فى نفس الرصيف الذى كنت أتعلق بأصابعه من الزحام والخوف، فيمنحنى أمان كامل ويشترى لى الورق الملون، الذى أحب اللعب به، فى حضن ابنى وهو يعطينى عن طيب خاطر دور الأب.

    أبى هو الذى اختار لى أن أحب الحياة، هو كان يحبها ولعله لهذا السبب اختار الرحيل عنها مبكرا، لكى يبقى على الحب دون خلاف فى رأى أو اختلاف فى وجهة نظر، اختار لى أن أشهد فى كل الظروف أن الحمد لله رب العالمين، اختار لى أن أقل الأشياء هى أعظم وأكبر الأشياء.

    الأب هو نهر خُلق من سماء صافية لكنها تمطر بسخاء ومحبة.

    نهر سار فى جنون وإرادة يمهد طريق فى الصعاب، ويصنع من الحجارة طَمى خصب.

    لم أستطع أن أكون مثله، مثله لا يُكرر ولا تُصنع منه الحياة نسخة أخرى، وحاولت، لكن هذا التوازن المستحيل بين الحزم والطيبة وبين الشِدة ورهافة المشاعر حتى البكاء لعصفور جريح يتألم، كيف أكونها؟ كيف أسير وسط الأشواك فى زمن اختلف وأكون مثله زهرة؟

    ثمة آباء كثيرون فى زمن أبى خلقهم الله آباء صالحين بالفطرة، يستحقون أن نضحك ونبكى لأنهم كانوا آبائنا، ولأننا نحمل سر من أرواحهم النقية.

    أدعو الله له فى صلاتى أكثر من دعواتى لنفسى، وأنا أدرك يقينا أنه هو نفسى وأكثر، وأنه فى اختباءه المؤقت يملأ المكان نورا، ولا يكف عن قراءة المصحف والدعاء لنا نحن أبناء الرجل، الذى سار حياته على بركة ومشيئة الله.

    هذا موعد اختفاءه البعيد، وأراه قريب.

    يسرى الفخرانى
    للأعلى