وجهة نظر

المتاهة

2018-10-04 09:19:51 |
  • إيرينى ثابت
  • المتاهة لعبة خطيرة.. تبدأها وتعتقد أنك ستعرف الطريق الصحيح للخروج منها بالغريزة، وتظن أنك ستستمتع بالدوران فى طرقاتها ورؤية الجديد بين جنباتها، ولكن النتيجة غير مضمونة أبدًا.

    توجد لعبة المتاهة فى العديد من الحدائق الضخمة حول العالم، وهى عبارة عن طرقات ضيقة ملتوية ومتشابكة ومتقاطعة فى وسط كثافات من الشجيرات الخضراء المقصوصة بعناية حتى تظهر الطرقات بينها، وللمتاهة مدخل وعدة مخارج، وعليك إذا قبلت المغامرة أن تدخل فيها وتستعين بالخرائط والاسترشادات حتى ما تنجح فى الوصول إلى أحد المخارج.

    ببساطة المتاهة لعبة تشبه لعبة الحياة، ولكنك لا تختار أن تدخل متاهة الحياة، فأنت حين يبدأ تشكيل وعيك تدرك أنك بالفعل قد تم دفعك داخل المتاهة، وأن عليك أن تتحرك يمينًا أو يسارًا، وتختار طريقك وتسير فيه سعيًا للوصول لباب الخروج.

    قد تكون محظوظًا فتملك خريطة واضحة عليها إرشادات معاونة، ربما ترك لك والداك شيئًا من ميراث حكمة، ومنحاك تعليمًا وتهذيبًا وأورثاك فطنةً وفهمًا، وهى بلا شك وسائل مساعدة تجعل فرصتك فى اجتياز المتاهة أفضل من آخرين، فقراءتك الصحيحة للخريطة ستنذرك من الدخول لمناطق الخطر، وتنبهك للبعد عن الطرق التى تتيهك وتفقدك مرادك.

    وربما تنجح فى شراء بوصلة تحدد لك الاتجاهات، وترشدك حتى ما لا تعود فى اتجاه البداية بل تستمر فى التقدم نحو الهدف، وتنجز الطريق بخطوات مدروسة بدلًا من أن تدور حول نفسك فى منطقة صغيرة وتقضى حياتك بأكملها دون الاهتداء إلى الاتجاهات الصحيحة.

    يستعين بعض التائهين فى متاهة الحياة بأناس آخرين مثلهم يدورون فى طرقات المتاهة باحثين عن أبواب الخروج، وغالبا ما لا يستطيع تائه أن يرشد تائهًا آخر، اللهم إلا إذا كان دليلا وليس تائهًا، نقابل فى الحياة حكماء قد يرشدنا أحدهم مثل الدليل إلى الطريق الصحيح، وعلينا أن نتخذ القرار باتباع الحكيم إذا كنا بالفعل نريد الخلاص من المتاهة.

    ولا يوجد فى أغلب المتاهات أى نوع من المقاعد، فأنت غير مسموح لك بالراحة أو التكاسل عن إتمام خبراتك فى طرقها وتحقيق إنجازاتك فى عبورها، ومع ذلك يركن البعض للجلوس على الأرض فى أى منطقة واسعة قليلًا ظانين أنهم يريحون أقدامهم حتى ما يسيرون بقوة أكبر بعد بعض الراحة، ولكن منهم من يقنع بالراحة التامة والجلوس على الأرض منتظرًا قدوم من يساعده أو يصحبه حتى باب الخروج.

    أما المثير للسخرية فهو أنه بنهاية اليوم وحلول المساء والظلمة يأتى المسؤولون ليخرجوا التائهين الذين لم ينجحوا فى اللعبة وظلوا تائهين حتى انتهى اليوم، تمامًا كما تنتهى لعبة الحياة فجأة بحلول الليل ويخرج منها البعض خاسرًا دون أن يحقق خبرة أو يفوز بجائزة.

    ولكن فريق الفائزين الفرحين الذين يحتفلون بإنجازهم ويتبادلون حكايات خبراتهم وكيف عبروا طرقًا صعبة لكنها مضمونة للخلاص، غالبًا ما يجلسون فى ساحة فسيحة مضاءة مبهجة، على عكس المنهزمين الذين ينصرفون عن المشهد فى خزى ويبتعدون فتبتلعهم الظلمة، لا يذكرهم أحد ولا يراهم أحد.

    فى لعبة المتاهة قد تبدأ اللعبة فتجد أنك لا تستمتع بها وتقرر العودة إلى باب الدخول وتخرج منه إن استطعت العودة له، أما فى متاهة الحياة فلا يجوز لك العودة من حيث بدأت أبدًا، ولست تملك رفاهية الاختيار ولا الامتناع عن السير فى المتاهة، وفى اللعبة قد تأتى فى اليوم التالى وتبتاع تذكرة جديدة لتجرب مرة أخرى فى يوم جديد أن تسلك الطرق الصحيحة وتعرف اتجاه الخلاص والخروج وتنجح فى الوصول له، ولكن متاهة الحياة لا تعطيك سوى فرصة واحدة بتذكرة حياة واحدة فقط، إما أن تنجح أو لا تنجح، وفى اللعبة يأتى الليل وجرس النهاية لكل اللاعبين معًا، أما فى الحياة فلن تعرف أبدًا متى يدق جرس نهاية الوقت بالنسبة لك، ولكن المؤكد أن فرصتك فى اجتياز متاهة الحياة فرصة عادلة تتماشى مع إمكانياتك تمامًا، فقط عليك أن تبذل ما فى وسعك وتستفيد من كل إمكانياتك قبل أن تقرع أجراسك.

    إيرينى ثابت
    للأعلى