وجهة نظر

الاستماع الفعال المفقود

2018-09-27 20:07:10 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    فى عصر الكلام الكثير، وشبكات التواصل المفتوحة المجانية، صار الجميع يتكلمون، ويتكلمون، واختفى المستمعون!

    فى جلسة مسائية هادئة، وعلى رائحة القهوة اللذيذة مع قريبتى، التى هى صديقتى وبمثابة أختى، عدنا للمحادثة بالطريقة القديمة، التى تتكلم فيها إحدانا، وتستمع لها الأخرى ثم بالعكس، وكان جزء من حديثنا على مشكلة العالم كله، الجميع يتكلمون ولا أحد يستمع لهم، الجميع يتكلمون لأنهم يبحثون عمن يستمع لكلماتهم، ولا يوجد مستمع!.

    قصت هى على مسامعى قصة حزينة لفتاة شابة كانت تعيش ظروف اجتماعية غاية فى الصعوبة، لم تكن تريد إلا شيئا واحدا، أن يستمع لها إنسان، كانت تريد أن تشتكى همومها فتتعاطف معها صديقة، كانت ستكتفى بالتعاطف والاستماع، لكن الحفاظ على "مود" الانبساط والمرح كان أهم كثيرا عند المحيطين بها منها، ولماذا يستمعون إلى قصص الغم والتراجيديا الحياتية الواقعية لفتاة مسكينة؟ ولماذا يضايقون أنفسهم بأخبار مزعجة "تعكنن مزاجهم الرايق"؟ ولماذا نتعجب أنا وصديقتى منهم ونحن جميعا محاطون بمأثورات الإنترنت، التى تدعو للاهتمام بالذات فوق كل شىء؟ خلى بالك من نفسك، دلع نفسك، ابعد عن اللى يعكنن مزاجك، إلى آخر دعوات الأنانية المفرطة.

    ثم جاءت نهاية القصة الحزينة، الفتاة العشرينية ماتت فجأة، قالوا أن الوفاة نتيجة هبوط حاد مفاجئ، ويقول بعض من سمعوا شكواها أنها عزفت تماما فى أيامها الأخيرة عن الحياة، كرهت أن تحيا دون أن يسمعها أحد وهى التى تتحمل ضغوط كثيرة لم تقو على حملها وحدها، وبخاصة أن والديها قد توفاهم الله!! يقول هؤلاء المتعاطفون أن قسوة المحيطين وهروبهم من حديثها الممل الشاكى قهرها أكثر وأكثر وقرب لها الموت وجعلها تزهد الحياة!.

    أيا كان سبب الموت، تبقى الحقيقة القاسية أنه ربما ربما لو كان العالم أكثر انصاتا لأصوات الضعفاء والمنكوبين والمكلومين لكانوا قد رأوا بعض النور فى حياتهم المظلمة!.

    أعود لعالمنا القاسى الذى يخصص دورات ودورات فى التواصل الفعال، يؤكد فيها مائة مرة على ضرورة الكلام مقابل مرة واحدة خجلى على ضرورة الاستماع، يشرح فيها كيف يكون كلامك مؤثرا على الآخرين، وكيف تقدم نفسك، وكيف تقدم أفكارك واقتراحاتك فى عرض فعال، وكيف تجيب إجابات مضبوطة فى "انترفيو" من أجل الوظيفة، وكيف ترد على من يحاول إحراجك فتحرجه، وكيف تتقن فن الكلام الدبلوماسى أو المسرحى أو الاستعراضى، كلام كلام كلام.

    أما كيف تستمع للآخر بإنصات منصف، أو تتعاطف مع من يحكى لك مشكلة شخصية، أو كيف تستمع دون مقاطعة، أو كيف تقبل الاستماع للكلمات والعبارات المتكررة دون أن تمل لأن صاحبها منفعل أو حزين ويكرر كلامه بانفعال، أو كيف تضحى قليلا براحة مزاجك، لتنقذ إنسانا آخرًا بإنصاتك له، أو ما هو الاستماع الفعال، كل هذه الأمور لا يهتم بها عالمنا كثيرا، ربما يدرسها الأطباء والمستشارون النفسيون حتى ما يحصلون على بعض المال مقابل استماعهم لأصحاب المشكلات، وقد يكون بعضهم صامتين لا منصتين، يصمتون فقط حتى ما ينتهى صاحب المشكلة من الكلام أو ينتهى الوقت المحدد له فى الكشف ثم يصفون له العلاج وينتهى الأمر.

    لماذا يقف العالم عاجزًا أمام خلق قنوات للاستماع المجانى كما خلق منابر وقنوات لا حصر لها للكلام المجانى؟

    الإجابة ببساطة ى: لأنه عالم أنانى يبحث فيه الإنسان عن كل الطرق لتكبير ذاته وتقزيم الآخرين، لتكبير احتياجاته وإهمال احتياجات الآخرين، لتعظيم مزاجه حتى لو على حساب حياة الآخرين.

    إيرينى ثابت
    للأعلى