وجهة نظر

«إس – 300» الحائرة فى سوريا

2018-09-25 19:42:09 |
  • د.أشرف الصباغ
  • أثارت إعلانات روسيا تزويد سوريا بمنظومات الدفاع الصاروخية "إس – 300" الكثير من اللغط والتخمينات، والحملات الإعلامية التى تذكرنا بصولات وجولات وأناشيد حزب البعث وجبهات الصمود والتصدى.

    لا أحد يدرى بالضبط من الذى سيتعامل مع هذه الأسلحة فى سوريا ومن الذى سيوجهها، ولمن سيوجهها.

    وعلى الرغم من التصريحات الروسية "الساخنة"، و"الهياج" الغريب لوسائل الإعلام الروسية، والشطط لدى المحللين الروس، إلا أن موسكو الرسمية التزمت الدقة فى تصريحاتها على عكس وسائل الإعلام التى تحن لأمجاد المعارك الوهمية والانتصارات الافتراضية.

    لقد اتهمت موسكو صديقتها تل أبيب بأنها نصبت فخا أدى إلى "إعماء" و"لخبطة" قوات الأسد، فقصفت الطائرة الروسية بدلا من أن تصد الهجوم الإسرائيلى.

    وانطلاقا من ذلك، أعلنت القيادة الروسية بأنها سوف ترسل منظومات "إس – 300" إلى سوريا، وهى التى كانت تمتنع عن ذلك فى الأزمنة السابقة لكى لا تغضب إسرائيل أو تخل بموازين القوى فى الشرق الأوسط.

    وأورد تقرير وزارة الدفاع الروسية جملة من مجالات التعاون بين روسيا وإسرائيل، من الصعب أن نتوقع انهيار أى منها بسبب هذه الحادثة.

    موسكو قالت إنها ستبعث بهذه المنظومة خلال أسبوعين، بينما أدلت الخارجية الروسية بتصريحين مثيرين بعض الشيئ الأول، هو أن موسكو مستعدة لبحث إرسال منظومة "إس – 300" مع الولايات المتحدة، والثانى، هو أن وجود "إس – 300" فى سوريا لا خل بأى شئ ولا يشكل خطرا على أحد، وإنما سيعمل على تعزيز الاستقرار!

    التصريحان فى غاية الذكاء ومن الواضح أنه قد تم تنسيقهما جيدا لكى يخرجا بهذا الشكل الذى يحتمل كل شئ ويفتح الاحتمالات على كل المسارات والتوقعات.

    بينما القيادة السورية تهدد أمريكا وإسرائيل، وتتوعد "إف – 15" و"إف – 16" و"توماهوك" و"كروز" بتمريغهم فى الوحل وكسر أنوفهم وهزيمة الصهيونية العالمية والإمبريالية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

    كل الشواهد تشير إلى أن روسيا، حتى إذا نقلت منظومات "إس – 300" إلى سوريا، لن تضع هذه المنظومات بين يدى بشار الأسد، لأنها ليست بحاجة إلى توريطات وأفخاخ جديدة أو عقوبات إضافية، أو مزيد من القتلى فى صفوف القوات الروسية هناك أو سقوط طائرات أخرى فى سوريا.

    ومن جهة أخرى، من المستحيل أن تستخدم روسيا هذه المنظومات ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة بشكل مباشر، لأن ذلك يعنى الانتقال من مستوى عسكرى معين إلى مستوى نوعى آخر يتسم بالحسم.

    لقد ركز المسؤولون الروس العقلاء، بعكس وسائل الإعلام الروسية والسورية، وبعكس المحللين والخبراء الروس والمسؤولين السوريين، على أن نقل هذه المنظومات إلى سوريا يهدف لضمان أمن وسلامة العسكريين الروس هناك.

    ولم نسمع من أى مسؤول روسى أن قوات بشار الأسد هى التى ستستخدم "إس-300"، أو أن المنظومات ستقوم بمهام معينة لحماية الأجواء السورية لصالح أى طرف آخر.

    وفى الواقع، فبعض المسؤولين السوريين مثل نائب وزير خارجية بشار الأسد فيصل المقداد ومستشارة القصر الرئاسى بثينة شعبان يفهمون الأمور على نحو معقول، ويدركون أن روسيا لن تحارب إسرائيل أو أمريكا من أجل عيونهم.

    وبالتالى، لم يستخدموا أى إشارات تدل على أن هذه المنظومات ستعمل لصالحهم، أو حتى سيستخدمونها بأنفسهم، كل ما هنالك أنهم يواصلون إطلاق أناشيد حزب البعث والصمود والتصدى على اعتبار أن هذا كاف جدا لإقناع العالم بأنهم انتصروا على العدوين الصهيونى والإمبريالى.

    روسيا تريد فتح حوار مع الولايات المتحدة، وترغب بأن لا تحرجها إسرائيل وانطلاقا من ذلك، تعتقد موسكو أن الحوار قد يجعلها تنجح فى تحويل حادثة سقوط الطائرة إلى بعض الأوراق السياسية التى يمكن استخدامها فى الضغط على إسرائيل لتحريك بعض الملفات "المفيدة".

    ولكن الشكوك كثيرة فى إمكانية نجاح القيادة الروسية على هذا المسار الشائك، خصوصًا وأن اللغط حول إدلب لا يزال مستمرًا، وتم تأجيل اقتحام المدينة بسبب الإنذارات الأمريكية والغربية.

    وكان ذلك مفيدًا للغاية لكل من روسيا وتركيا ومع ذلك، فمعركة إدلب آتية حتى ولو بشكل رمزى، لأن التناقضات بين موسكو وأنقرة كفيلة بإشعال عدد من الملفات التى ينتظرها الغرب ويعمل عليها بهدوء.

    إن نقل "إس – 300" إلى سوريا مجرد زوبعة فى فنجان، ومحاولة لخلق واقع جديد يمكن الانطلاق منه، ولكن فى الوقت نفسه قد تنفتح أبواب جهنم على موسكو ودمشق، فى حال تم وضع المنظومات فى يد الأسد، أو فلتت الأدوات السياسية من يد موسكو، أو اختلت المعادلة "الميتة" التى تتبعها روسيا فى التعامل مع الأحداث السورية.

    والمعادلة الميتة تعنى أن أفغانستان لن تتكرر فى سوريا، وأن روسيا لن تتكبد خسائر ملموسة فى صراعاتها هناك.

    هذه هى المعادلة "الميتة" الى انطلقت منها روسيا منذ 3 سنوات، ولا أحد يعرف كم ستبقى قواتها هناك فى سوريا وسط التطورات اللاحقة ونتائجها وتداعياتها.

    موسكو الولايات المتحدة منظومة إس 300 سوريا بشار الأسد
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى