وجهة نظر

الواقع ليس عنكبوتيا

2018-09-20 09:16:54 |
  • إيرينى ثابت
  • بادئة لابد منها: مخطئ كل مَن يعتقد بأن ما يشاع على السوشيال ميديا مهما بلغت ضخامته يعنى اتجاها شعبيا حقيقيا.

    الواقع أننا حول العالم صرنا نستخدم السوشيال ميديا بشكل مبالغ فيه، وصار الفيسبوك مثلا – وهو ما يزال أكبر شبكة تواصل اجتماعى استخدامًا فى العالم حتى الآن – يشغل بمتوسط 35 دقيقة للمستخدم يوميًا، وقطعا أكثر من ذلك بكثير عند الشباب وكبار السن وكل من يتوافر له وقت أكثر، وصحيح أيضًا أنه فى كل ثانية يزيد عدد 6 حسابات جديدة على "فيسبوك"، أى 500 ألف فى اليوم.

    تلك الأرقام التى يهتم أصحاب شبكات التواصل الاجتماعى بالإعلان عنها لتصدير أهمية شبكاتهم خلقت نهما كبيرا عند كل مروجى الأفكار والمعتقدات والاتجاهات السياسية والاقتصادية والتجارية والإعلامية والاجتماعية والدينية والأخلاقية واللاأخلاقية، وصار كل هؤلاء يتفننون فى ترويج أفكارهم بغض النظر عن نواياهم وهم يؤمنون أن السوشيال ميديا ستضمن لهم قاعدة شعبية كبيرة تؤمن بما يروجون له، وتشترى بضاعتهم المادية أو الفكرية.

    ولكن إذا ذهبنا إلى الأرقام مرة أخرى ونزلنا إلى واقع الأرض المصرية لن تكون الصورة كما يظنون.

    نصف سكان العالم فقط يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعى، وإذا أخذنا فى الاعتبار نسبة الأمية "الحقيقية" فى بلدنا، وأضفنا لها الإمكانيات الاقتصادية المتوسطة والفقيرة التى لا تسمح باقتناء سمارت فون وإنترنت، ويأتى أيضا انتشار القنوات الفضائية ومخاطبة الكثير منها لأصحاب الثقافة المتوسطة فما دون، مع انخفاض تكاليف اقتنائها، سنجد أن من يقتنون ويستخدمون شبكات التواصل الاجتماعى فى بلدنا أقل كثيرا مما نتوقع.

    على مستوى العالم يصل متوسط عدد الحسابات الخاصة "accounts" للمستخدم الواحد للسوشيال ميديا إلى 5.5، أى أن للشخص الواحد من مستخدمى الشبكات خمسة أو ستة حسابات على السوشيال ميديا، وبالنظر إلى بلدنا – ودون مبالغة – يمكننا القول بأن الأعداد الحقيقية لمستخدمى تلك الشبكان يبلغ واحد على ستة من عدد الحسابات الشخصية، أى بالمقارنة بالواقع هى أعداد محدودة.

    أهم إحصائية فى نظرى هى أن الحدث أو الخبر أو القصة أو الاشاعة أو أى شىء على السوشيال ميديا يموت فى مدة لا تقل عن يوم ونصف ولا تزيد على ثلاثة أيام، أى أنك مهما حاولت أن تحيى قصتك وتعضدها بالصور والإثباتات، ومهما نجحت فى أعداد المشاركة وانتشار قصتك، ثق أن عمرها الافتراضى لن يزيد عن ثلاثة أيام، وبالتالى لابد لك من الاستمرار فى خلق وتصدير قصص جديدة كل يومين أو ثلاثة حتى تستطيع أن تواصل مشوارك فى بناء اتجاه ما.

    المشكلة الأكبر هى أنك بعد كل هذا المجهود سوف لن يسمعك سوى نسبة ضئيلة من الشعب الواقعى الذى يعيش مجاهدا على الأرض ولا يمتلك شبكاتك الاجتماعية، وتلك النسبة الضئيلة غالبًا لا تقرأ البوست الطويل، ونسبة المشاهدات لا تعنى فعليًا أنهم قرأوا، ولا يتأثر هؤلاء كثيرًا سوى بالصورة أو الفيديو، والتأثر بالنسبة لهم لا يدوم أكثر من يومين، وأقصى ما يفعلون هو التعليق بكلمة، أو لمسة على "like"، أو على الأكثر بـ"Share" ولكنهم لن يحركوا أقدامهم بالنزول لك، ولا أصواتهم بالهتاف لقضيتك.

    تذكر أن معظم مستخدمى السوشيال ميديا يبحثون عمن يسمعهم وعمن يهتم بهم وعمن يعطى لآرائهم أهمية، وهم فى الحقيقة لا يسمعون ولا حتى أنفسهم، ولا تنسى أن منهم كثيرين لا ينقادون لحكاياتك، بل ربما إذا أثقلت العيار لبناء توجهاتك، يقوى الفريق المناهض لك وبدلا من أن تكسب قاعدة وهمية على السوشيال ميديا، ستخسر متابعيك فى العالم الافتراضى وكل من حولهم فى العالم الواقعى.

    لا توهم نفسك بأنك خلقت اتجاها أو صنعت لك قاعدة انطلاق وأن هذا يعنى اتجاها شعبيا حقيقيا، فالواقع يا سيدى ليس عنكبوتيا!

    إيرينى ثابت
    للأعلى