وجهة نظر

مصير بوتين وأردوغان فى إدلب

2018-09-18 10:51:34 |
  • د.أشرف الصباغ
  • سعى الرئيسان الروسى فلاديمير بوتين، والتركى رجب طيب أردوغان فى قمتهما، فى سوتشى، إلى إصلاح ذات البين، وترطيب العلاقات بعد ظهور الخلافات بشأن إدلب فى قمة طهران الثلاثية.

    خلافات بوتين وأردوغان أنذرت بكثير من المخاطر على مستوى علاقات البلدين من جهة، وعلى مستوى وقوع البلدين تحت وطأة مزيد من العقوبات وتعرضهما لمشاكل وأزمات إضافية من جهة أخرى.. وبالتالى، فقمة سوتشى جاءت بعد جهود "روسية – تركية" سريعة، وحثيثة، لتلافى أى سوء فهم قد يؤدى إلى نتائج غير محمودة العواقب، خصوصًا وأن موسكو أظهرت تشددًا غير مسبوق بشأن ضرورة الهجوم على إدلب، بينما رفضت أنقرة هذه الفكرة من أساسها.

    لم يتوقف الأمر على خلافات بوتين وأردوغان، بل وصل إلى تهديدات "غربية - إسرائيلية" بتوجيه ضربات إلى سوريا، وربما إلى إيران نفسها.. كما تزامن مع فرض مزيدٍ من العقوبات على روسيا، وإيران. وقد أدت العقوبات الغربية فى مجملها إلى مشاكل اقتصادية ومالية حقيقية فى روسيا، وتركيا، وإيران، وانهيار ملحوظ فى عملات الدول الثلاث، وتعطيل عديد من القطاعات الحساسة فيها.

    انتهت قمة سوتشى إلى تأجيل، وربما إلغاء، العمليات العسكرية التى أعلنت عنها روسيا. وفى الحقيقة، فقد كان هذا هو مطلب الدول الغربية الذى أعلنت عنه الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وغيرها، محذرة من أن الهجوم على إدلب سيكون مغامرة، وسيؤدى إلى كارثة.

    وكانت هذه التحذيرات تصب فى مصلحة رجب طيب أردوغان. وبالتالى، حقق الغرب هدفه من إيقاف الهجوم على إدلب، وحقق أردوغان هدفه أيضًا. وتنفست روسيا الصعداء بعد تصريحاتها الساخنة بضرورة الهجوم، وهو ما كان سيعرِّضها إلى مشاكل كثيرة، وربما عاد عليها بخسائر غير متوقعة.

    يسود اعتقاد لدى قطاع من الخبراء والمحللين بأن قمة سوتشى أدت إلى استبعاد إيران من المشهد، وتحييد بشار الأسد واستبعاده أيضًا.. وفى الحقيقة، هناك هدف قصير النظر لهذه التحليلات، ألا وهو إظهار قوة بوتين وأردوغان، ونجاحهما فى تحييد الطرفين محل الخلافات فى الأزمة السورية. وذلك من أجل تأسيس أمر واقع جديد يتصدره الرئيسان الروسى والتركى.

    ولكن فى حقيقة الأمر، فقد تم استبعاد إيران من هذه المعادلة، لصالح إيران نفسها، ومن أجل كسب الرأى العام إلى صف التوافقات "الروسية - التركية"، وعدم استعداء الغرب والدول الإقليمية ضد إيران. بمعنى أن إيران، التى تعتبر الحلقة الأضعف فى التحالف الثلاثى الهش، لديها مشاكل داخلية حقيقية، وأخرى خارجية فى منتهى الخطورة، ومن الأفضل أن تتوارى خلف ظهر روسيا، وتكتفى مؤقتًا بنفوذها داخل دمشق ،وفى عدد من المناطق التى يسيطر عليها النظام، وبالاتفاقيات العسكرية والتجارية التى وقعتها مع حكومة بشار الأسد.

    أما بخصوص الأسد، فهناك اعتقادات وانطباعات بأن بوتين وأردوغان نجحا فى استبعاده من المشهد. ولكن فى واقع الأمر، لم يتم استبعاد الأسد من أى شىء، لأنه ببساطة لا يقرر شيئًا. بمعنى أن موسكو هى التى تقرر وتتصدر المشهد وتطلق التحذيرات وتتصل بالقوى الأخرى. وهى أيضًا، التى تعلن عن العمليات والمعارك، وهى التى تؤجلها أو تلغيها. أما الأسد ووسائل إعلامه ليسا إلا "صدى صوت" لتحركات موسكو.

    إن إعطاء انطباع بأن بوتين وأردوغان نجحا فى تحييد إيران، وإبعاد الأسد، محض هُراء سياسى يهدف إلى إعطاء صورة مزيفة للمشهد السياسى فى سوريا عمومًا، وفى إدلب على وجه الخصوص.

    الأمر ببساطة، هو أن الرئيسين الروسى والتركى أدركا خطورة الموقف وإمكانية انهيار تحالفهما. وأدركا أيضًا، أن لا روسيا بمفردها، ولا تركيا بمفردها، قادرتان على مواجهة الضغوط الغربية. بل وغير قادرتين كل على حدة على تسوية الأمور فى سوريا، أو اتخاذ ولو خطوة واحدة هناك نحو أية تسوية. وبالتالى، اختارا الاتفاق على الحد الأدنى المشترك لتلبية مصالحهما، والحفاظ على تحالفهما الهش، وتنفيذ مطالب الدول الكبرى بوقف العمليات العسكرية فى إدلب.

    وإذا كانت التحليلات تدور حول صفقة بين بوتين وأردوغان بشأن إبعاد الأسد، والقضاء على التنظيمات الإرهابية، فللأسف الشديد، من الصعب أن نتصور ذلك فى ظل التناقضات الكامنة بين بوتين وأردوغان من جهة، ووجود أطراف كبرى فى المعادلة السورية من جهة أخرى، ومصالح لدول إقليمية فى سوريا من جهة ثالثة. بمعنى أن الاتفاقات التى أعلن عنها بوتين وأردوغان هى مجرد مسوِّغات لوقف العمليات العسكرية فى إدلب إلى أن تتم صياغة معادلة أخرى، أو بالأحرى تأسيس أمر واقع جديد تنطلق منه موسكو وأنقرة.

    ولكن، يبدو أن هذا لن يكون بتلك السهولة التى يتصورها الرئيسان الروسى والتركى، نظرًا لفتح جبهات جديدة فى سوريا، وظهور مناطق اشتباك أخرى، وليس سقوط المقاتلة الروسية وعلى متنها 14 عسكريًا، والهجمات الإسرائيلية المتتابعة إلا حلقات بسيطة يمكن أن تتسع عبر ضربات غربية لأسباب كثيرة.

    المثير هنا، هو أن واشنطن قالت "إننا نرحب ونشجع روسيا وتركيا على اتخاذ خطوات عملية لمنع الهجوم العسكرى على إدلب، كما نرحب بأية جهود مخلصة للحد من العنف فى سوريا". بمعنى أن واشنطن تتعامل مع موسكو وأنقرة باعتبارهما وكيلين منوط بهما بذل جهود ذات طابع معين، بينما اعترفت موسكو بأن إسرائيل أبلغتها بالهجوم على اللاذقية قبل تنفيذه.

    وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها تحتفظ لنفسها بحق الرد المناسب على تصرفات إسرائيل الاستفزازية، بعد أن "تسترت" مقاتلات إسرائيلية بطائرة "إيل - 20" الروسية، ما أدى إلى إسقاطها بصاروخ سورى!

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى