وجهة نظر

فك الارتباط بين الأغا والقيصر

2018-09-11 13:31:37 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تتوالى أنباء الحشد الثلاثى حول إدلب لدرجة أن العالم أصبح ينتظر بفروغ الصبر نتائج هذه الحشود أكثر من نتائج المعركة نفسها.

    روسيا والأسد يحشدان قواتهما ويستعرضان عضلاهما، ويطلقان التحذيرات والإنذارات، أما الولايات المتحدة وحلفاؤها يحشدون على أكثر من محور، ويطلقون الإنذارات والتحذيرات.

    الرئيس التركى رجب طيب أردوغان أصبح أمام أمر واقع جديد يحتاج للمزيد من التحذيرات والإنذارات والمناشدات، وحشد القوات على الحدود مع سوريا وفى شمالها أيضًا، إضافة إلى المناورات العسكرية التى تجريها كل من روسيا والولايات المتحدة للتأكيد على قوتهما وجبروتهما، ولإقناع حلفائهما بأن موسكو وواشنطن قادرتان على حمايتهم.

    لا شك أن القمة الثلاثية بين بوتين وأردوغان وروحانى فى طهران قد فشلت فشلاً ذريعًا لا بسبب التناقضات بين مصالح الدول الثلاث فقط، بل وأيضًا بسبب اختلافها على المسارات والأهداف النهائية والطموحات، وقد اعترفت موسكو، على لسان وزير خارجيتها سيرجى لافروف، بأن هناك خلافات بين الدول الثلاث على الأهداف النهائية من ما يحدث فى سوريا، وهذا الاعتراف كاف تمامًا لإثبات حقيقة المناورات والضغوط الأمريكية لفك الارتباط بين موسكو وأنقرة وطهران والتى أعلن عنها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بعد وصوله إلى البيت الأبيض بشهرين فقط.

    روسيا والأسد وإيران مصممون على اجتياح إدلب. شريكهم التركى يرفض هذه الخطوة ويعتبرها مغامرة وكارثة، وهو أيضًا ما تحذر منه الولايات المتحدة وحلفاؤها، ولكن أردوغان يتوقف عند التصريحات والإعلان عن الحشود العسكرية، فى انتظار أى مفاجآت أو معجزات تنقذه من المأزق الذى وقع فيه لدرجة أنه بدأ يستنجد بأوروبا ويناشد العالم بالتدخل لإيقاف اجتياح إدلب. أما واشنطن، فهى تذهب إلى أبعد من ذلك، محذرة من إمكانية تدخلها العسكرى المباشر مع حلفائها الكبار.

    فى الحقيقة، روسيا لا تريد فقط من أردوغان أن يساعدها فى فصل "الإرهابيين عن المعارضين"، ولكنها تريد أيضًا أن يدجِّن فصائل المعارضة من أجل إجراء حوار مع نظام بشار الأسد، وهو الأمر الذى لا يستطيع أردوغان أن يفعله مهما كان نفوذه على بعض فصائل المعارضة، وموسكو فى هذه الحالة تدرك جيدًا أن أردوغان ذهب فى عدائه لأوروبا والولايات المتحدة لمسافات بعيدة، وقد آن الأوان للضغط عليه من أجل تلبية مطالب محددة فى إطار المصالح الروسية التكتيكية. أى ببساطة، على أردوغان أن يركع أمام روسيا أو الولايات المتحدة، بعد أن فقد مصداقيته حتى مع جيرانه وحلفائه فى المنطقة، ولكن من المستبعد أن يركع الأغا التركى هكذا ببساطة، خاصة وأنه لم يغلق كل القنوات مع حلف الناتو.

    الولايات المتحدة تركت الحبل على الغارب لأردوغان من أجل أن يجرِّب التعاون مع موسكو، معولة فى الأساس على تناقضات جوهرية تاريخية بين روسيا وتركيا، وتناقضات أخرى تكتيكية – مرحلية من شأنها أن تجمد العلاقات بين موسكو وأنقرة، خاصة وأن الأخيرة لم تنسحب، ولا تجرؤ أن تنسحب أصلاً من حلف الناتو، أو تفسد علاقاتها بالكامل مع بروكسل وواشنطن.

    المواجهات العسكرية المباشرة بين روسيا والولايات المتحدة ستشكل طوق إنقاذ لأردوغان وستكون فى مصلحته تماما. بالضبط كما هى فى مصلحة بشار الأسد الذى سيظل موجودا بقوة فى السلطة، وأيضًا فى مصلحة إيران التى تختبئ وراء ظهر روسيا، وفى الحقيقة، من المستبعد إلى الآن أن تحدث هذه المواجهات المباشرة لأسباب كثيرة، على رأسها أن واشنطن لا ترغب ولا تريد إنهاء الأزمة السورية التى تستنفد موارد روسيا وإيران، وتشكل ورقة ضغط ليس فقط على خصوم إقليميين ودوليين، بل وعلى حلفاء أيضًا.

    المشكلة الآن بين روسيا وتركيا، وقدرة كل منهما على المناورة للحفاظ على وضع "الحلفاء"، حتى إذا كان التحالف هشاً وقابلا للانهيار فى أى لحظة، بل وسينهار إن عاجلاً أو آجلاً، وفى كل الأحوال، العقوبات الأمريكية على روسيا وإيران وتركيا تأتى بنتائج مرعبة على الصعيدين الاقتصادى والمالى الداخلى للدول الثلاث، وعلى سياساتها الخارجية أيضًا، ومن المستبعد أن تظل إيران أو تركيا كما هى فى حال انهيار التحالف الثلاثى الهش مع روسيا، وموسكو تعرف ذلك جيدًا وتضغط بهذه الورقة بكل قوتها على طهران وأنقرة. غير أن روسيا قد تستطيع الصمود لأسباب تتعلق بقوتها العسكرية وطاقاتها الاقتصادية الكامنة وطبيعة علاقاتها مع بعض الأطراف، وبالذات مع جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق، ولكنها ستتكبد الكثير من الخسائر الفادحة إلى ستعيدها لسنوات كثيرة إلى الوراء، وهذا أحد أهم أهداف الولايات المتحدة.

    د.أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى