وجهة نظر

لماذا نغفر؟

2018-09-06 09:51:22 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    لماذا قال أوسكار وايلد: "اغفر لأعدائك ما استطعت.. فإن غفرانك لهم هو أكثر ما يضايقهم"؟

    أوسكار وايلد هو كاتب مسرحى أيرلندى كان له أعداء يودون أن يحطموه، مرة يهاجمون كتاباته، ومرة يشوهون سمعته، ولذا كان يتحدث فى بعض الأحيان عمن دعاهم "أعداء"، ولكن الغريب أن يتحدث عن الغفران، وأن ينصح الناس أن يغفروا لا لذويهم أو لأحبائهم بل لأعدائهم، والأغرب أنه لا يتحدث من منظور دينى ولا يقول أن الغفران وصية دينية، بل يقول بوضوح أن غفرانك لأعدائك "يضايقهم"، والأكثر وأكثر غرابة أنه يقول أيضًا أن الغفران للأعداء له "متعة" لابد أن نختبرها!

    بالرغم من غرابة هذه الدعوة إلا أن الأدباء، وهم الأكثر خبرة بالنفس البشرية واحتياجاتها الوجدانية والإنسانية، يبدو أنهم نجحوا قبل علم النفس فى اكتشاف حاجة الإنسان للغفران، وعلى عكس ما يظن البعض، فالإنسان الغافر يصنع معروفًا لنفسه لا لمن ظلمه أو أخطأ فى حقه، وهذه هى الخطوة الأولى التى ينبغى أن نعيها حتى ما نُقدم على الغفران، فأنت تغفر حتى ما تتحرر من سجن الحزن والغضب والحسرة والغيظ الذى لم تتسبب فيه أنت، بل إنسان آخر أخطأ فى حقك.

    الغفران لا يعنى أن ما حدث من ظلم ليس ظلمًا، أو أن من أخطأ فى حقك ليس ظالما.. ولا يعنى أن المخطئ لا يجب معاقبته، ولا يعنى أنك إذا غفرت سيظل هذا الإنسان فى حياتك إلا إذا كان نادمًا وقبلت أنت أن تعيده لحياتك مرة أخرى، إذا كان هناك عقابا قانونيا أو اجتماعيا للمخطئ فليس من حقك أن تسامح فيه هذا حق المجتمع، أما حقك على نفسك فهو أن تواجه ألمك وحزنك وغضبك وتفتح لتلك المشاعر السلبية بابا واسعا لتخرج منه، فترتاح أنت، وتعود لك سعادتك وسلامك وابتسامتك التى غالبًا ما تؤكد لمن أخطأوا فى حقك أنك أنت الأقوى، وتثبت مقولة غاندي الشهيرة: "الضعفاء لا يستطيعون أن يغفروا لأن الغفران شيمة الأقوياء".

    عندما تغفر وتتناسى، تكبر وتنضج وتسعد، وطبقا للدراسات فإن من يغفرون ولا يتركون الضغينة فى قلوبهم هم من ينعمون بحياة صحية تكاد تنعدم فيها الأمراض المزمنة كضغط الدم وأمراض القلب والأمراض النفسية كالاكتئاب، ويبدو أن تلك الحياة فى حد ذاتها تضايق الحاقدين والذين تسببوا فى أذيتك، والأهم أنها تشجع الأصدقاء والمحبين للتقرب منك والتعامل معك ببساطة لأنك منفتح وسعيد وهو عامل الجذب الأول للصداقات والعلاقات الإنسانية الغنية.

    لا أتفق كثيرًا مع أوسكار وايلد فى أن الغفران للأعداء متعة، أرى أن الغفران للأعداء واستبعادهم راحة، أما المتعة فهى الغفران للأحباء، وهنا أتفق معه فى رؤيته للشخصيات، ليست المسرحية فحسب، بل وفى الواقع أيضا، وهى أن الشخصيات الشريرة تشبه الشخصيات الطيبة إلى حد كبير، أو بمعنى آخر: لا يوجد شخصية شريرة وشخصية طيبة، فكلنا خليط بشرى من الخير والشر، أو بأسلوب أفضل: السعى للصواب والسقوط فى الأخطاء، تلك النظرة تجعل الغفران أكثر سهولة، وخصوصًا للمحيطين بنا والذين لا يقصدون الخطأ فى حقنا، حينئذ تصير المغفرة متعة تعيد للعلاقات الانسانية صفاءها وبهاءها.

    ويبقى من أهم وجوه الغفران: أن تغفر لنفسك.. إذا استطعت أن تفهم هذا الخليط البشرى من الصواب والخطأ، قطعًا ستلوم نفسك على أخطائك لبعض الوقت، ثم تحرر نفسيتك بغفرانك لنفسك، هو ليس غفرانًا لاهيًا يستهين بالخطأ، بل هو قوة للاعتراف بالخطأ ومحاولة إصلاحه والندم عليه بالقدر الكافى لا أقل ولا أكثر، ثم اجتياز تلك المرحلة المريرة والنهوض لبداية جديدة بالغفران للذات كما للآخر.

    نغفر لنعيش فى سلام.. لهذا ينبغى أن نغفر!

    إيرينى ثابت
    للأعلى