وجهة نظر

لماذا نحب الحكايات؟

2018-08-30 12:18:53 |
  • إيرينى ثابت
  • أمسكت فريدة "نيللى كريم" الأوراق التى كتب فيها زوجها الصحفى والروائى شريف "هشام سليم" روايته "اختفاء".. وأشعلت عودًا من الثقاب لتحرقها، وقربت يدها من الأوراق فقطعت أنفاسنا.

    لم أتمكن من متابعة مسلسل "اختفاء" فى عرضه الأول فى خضم المسلسلات الرمضانية.. وبدأت متابعته هذه الأيام فى العرض الثانى لأستمتع بالقصة.. هى القصة.. لماذا نحب القصص؟

    وأعود لذلك المشهد وفيه كانت فريدة قد اكتشفت توًا أن زوجها قد كذب عليها بشأن اختطافه، وهو لم يخطفه أحد بل اختبأ فى شقة زوجته الثانية.. فى تلك اللحظة كانت أفكار فريدة كلها تؤكد لها أن شريف كاذب، وأن روايته التى يدَّعى أنها قصة حقيقية، ما هى إلا قصة كاذبة من وحى خياله.

    ونحن أيضًا كمشاهدين نقف تمامًا مع البطلة المخدوعة فى موقفها الصعب.. ورغم ذلك وجدت نفسى والذين من حولى، وقد أوشكنا أن ننفخ فى عود الثقاب بيدها لنطفئه، لأننا نود أن تكتمل لنا قصة نسيمة بطلة رواية "اختفاء" التى ربما تكون "كذبًا فى كذب"!!

    نعم يحب الناس على اختلاف أعمارهم أن يسمعوا أو يقرأوا قصة.. ليس الأطفال فحسب، بل والكبار أيضًا.. والدليل على ذلك أنهم ينصحون من سيلقى محاضرة، أو كلمة طويلة بأن يحكى قصة ليجذب السامعين.

    ودليل آخر على حب البشر للحكايات، هو انتشار فن القصص القصيرة والطويلة فى كل اللغات وعلى مدار الأزمنة والعصور.. وأيضًا حب الناس للسينما، والأفلام والتليفزيون والمسلسلات، وكلها قصص.

    يقولون إن البشر مخلوقات اجتماعية بالدرجة الأولى وأن كل ما يُنقل لهم من معارف اجتماعية يلقى لديهم قبولًا واسعًا.. وأن هذا سبب رئيس فى حب البشر للحكايات.. إذ تنقل الحكاية معرفة اجتماعية شاملة يرى فيها القارئ أو المستمع، أو المشاهد تفاصيل حياتية لمجموعة من الشخصيات بصفاتهم وشكل حياتهم وبتفاصيل يومهم، وعلاقاتهم بعضهم ببعض.. وتمثل تلك الخبرات فى حياة من يشاهدها مخزونًا من المعرفة الاجتماعية.

    يرى آخرون أن القصص هى النافذة لا التى يطل منها الإنسان على الحياة، بل التى يقفز منها الإنسان من حياته الواقعية ليختلس لحظات فى حياة وهمية موازية، ولكنها مختلفة ومسليَّة وغالبًا يراها أفضل من واقعه الحقيقى.

    وفى تلك الحالة، تصير القصة مشبعة ليس على المستوى المعرفى للمجتمع، ولكن على المستوى النفسى للمشاهد أو القارئ.. إذ تمثل بالنسبة له متنفسًا لمشاعره ووجدانه كما تمثل نوعًا من التنفىس عن الضغوط التى تثقل عليه.

    ويعتقد البعض أيضًا، أن القصص هى عالم الخيال والتى تسمح لأحلام الإنسان بالتجسد فى شكل يبدو حقيقيًا.. وأن القصة ترسم أبعادًا شبه منطقية لأحلام وردية إما فى نطاق الرومانسية أو الخيال العلمى أو غيرها مما لا يتحقق كثيرًا فى الواقع.. وذلك من الأسباب التى تجعل الإنسان يهمل البعد الواقعى فى القصة.. اذ إن كثيرين يفضلون القصة الكاذبة أو بتعبير ألطف "الخيالية".. ومَن لم يحقق أحلامه على الأرض، يمكن أن يراها متحققة فى قصة أو رواية.

    لم تحرق "فريدة" رواية زوجها.. ونحن ما زلنا نتابع القصتين بشغف.. قصة "فريدة" التى تبدو واقعية ومعاصرة، وتقدم نماذج من الناس الذين نراهم كل يوم.. وبالتالى تقدم المجتمع بخبراته وتفاصيله.. وقصة "نسيمة" التى كتبها الروائى عن شخصيات كانت تعيش فى ستينيات القرن الماضى، وهى الرواية التى يدَّعى كاتبها أنها حقيقية وواقعية.

    وبغضِّ النظر عن حقيقة الأحداث من عدمها، فى هاتين القصتين أو غيرهما من قصص، يبقى فن الرواية جاذبًا للبشر يعلمهم عن الحياة ويأخذهم فى نزهات طويلة عبر الأزمنة والبلاد والخيال وينقل لهم الحكمة والخير، وأيضًا الحمق والشر.. وهو أكبر فنون التواصل بالكلمة والأكثر شعبية بين البشر.

    لهذا نحب الحكايات!!

    إيرينى ثابت
    للأعلى