وجهة نظر

سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب

2018-08-28 14:02:19 |
  • أشرف الصباغ
  • الدكتور أشرف الصباغ

    مع دق طبول الحرب فى محافظة إدلب السورية، والتحذيرات الثلاثية الأمريكية – البريطانية – الفرنسية بتوجيه ضربات، أعلنت دمشق أنها نجحت فى ضرب المنظمات الإرهابية فى ريف هذه المحافظة.

    وفى الوقت نفسه، أعلنت روسيا أن القوات الحكومية حررت ما يقرب من 96% من أراضى سوريا من الإرهابيين، وتجرى فى الوقت نفسه مفاوضات مع فصائل المعارضة المختلفة، بما فى ذلك المعارضة التى تصفها موسكو بالمتطرفة، لبحث سبل حل أزمة إدلب دون حرب، وفى ذات الوقت هَمّت واشنطن ولندن وباريس بالتحضير لعدوان جديد على سوريا، والسعى للإطاحة بالنظام.

    هذا هو المشهد السورى الحالى الذى يكاد يشبه مشهد ما قبل 14 إبريل الماضى، عندما قامت قوات الدول الثلاث المذكورة بتوجيه ضربات إلى مواقع عسكرية على الأراضى السورية، ولم تتدخل روسيا إطلاقًا، بينما أعلنت دمشق أنها كبَّدت العدو خسائر فادحة.

    ومع ظهور تحليلات كثيرة تفيد بأن روسيا تحاول تهميش إيران التى باتت تشكل عبئًا عليها وعلى مصالحها مع الغرب، وإحساس طهران ودمشق بإمكانية قيام روسيا بخطوات مفاجئة نتيجة الضغوط الغربية عليها، سارعت طهران بتوقيع اتفاقيات عسكرية واقتصادية مع دمشق لقطع الطريق أمام الروس فى حال فكروا فى الضغط على الإيرانيين وطالبوهم بسحب قواتهم من سوريا.

    فى الحقيقة، فالروس يرون أن قواتهم هى الوحيدة التى تملك "صفة الشرعية التامة" فى سوريا، لأن وجودهم العسكرى هناك هو الوحيد القائم على أساس اتفاقيات بين موسكو ودمشق تحمل طابعًا دوليًا.

    هذا فى الوقت الذى لا توجد فيه اتفاقيات مماثلة بين طهران ودمشق حول التواجد العسكرى الإيرانى فى سوريا، وفى مجال إعادة الإعمار، وقَّعَت روسيا اتفاقيات مع نظام دمشق تمنح موسكو الأولوية فى تنفيذ مشاريع كثيرة فى إطار إعادة بناء الاقتصاد السورى وإعادة الإعمار، وبتوقيع طهران ودمشق الاتفاقيات الأخيرة، أصبحت الرؤوس متساوية، على الأقل من وجهة نظر طهران ودمشق. ما يعنى نجاحهما فى تفويت أى فرصة على الروس لإبعاد إيران عن سوريا.

    المشهد المعقد فى إدلب تزامن مع فرض عقوبات أمريكية "ثقيلة الوزن" على روسيا، وأخف قليلاً على تركيا، ما أدى إلى ظهور مشاكل وأزمات مالية واقتصادية فى البلدين على الفور، ولا يمكن أن نتجاهل ردود فعل موسكو وأنقرة التى تملأ وسائل الإعلام، والتهديدات شديدة الوطأة بالرد بالمثل وبغير المثل، وفى الوقت الذى "يهلوس" فيه الرئيس التركى رجب طيب أردوغان بتصريحات "عنترية"، تحاول روسيا التزام الرصانة والمنطق فى ردودها.

    نائب وزير الخارجية الروسى، سيرجى ريابكوف، أعلن أن الرد الروسى الموازى 100% على العقوبات الاقتصادية الأمريكية أمر غير ضرورى تمامًا، واعترف بقوله: "لا يمكننا أن نتنافس مع الولايات المتحدة فى المجال الاقتصادى، إذ أن فئات وزنينا مختلفة، ونحافظ عمدًا على الغموض فى مسألة ردنا المقبل، لأنه إذا قلنا شيئًا مسبقًا فسيعنى ذلك إضعاف موقفنا".

    وفى تصريح آخر، قال ريابكوف بخصوص الرد على العقوبات: "هذا الأمر يستعد له كل من القطاعين الاقتصادى والعسكرى، تذكروا ما قاله الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، فى رسالته إلى المجلس الفدرالى، إن تلك إشارة للعالم كله، وبالدرجة الأولى للولايات المتحدة، ويكمن مفادها فى أننا سندافع عن أمننا فى أى حال من الأحوال بما فى ذلك عبر الوسائل العسكرية".

    روسيا تعترف صراحة، وبعيدًا عن "شعوذة" وسائل الإعلام، بأنها أضعف من الولايات المتحدة، ولا يمكن أن تواجهها عسكريًا ولا اقتصاديًا. ووفقًا لمشاهدات كثيرة ولقاءات خاصة، فإن موسكو لا تريد فعلاً أى مواجهات مع واشنطن، ولكن هناك "صقور" فى روسيا يدفعون نحو ذلك.

    الأمر الآخر، هو أن المقصود بالمواجهات العسكرية والاقتصادية فى تصريحات ريابكوف، نقلاً عن الرئيس الروسى بوتين، لا يعنى فرض عقوبات مماثلة، نظرًا "لاختلاف الأوزان"، ولا يعنى إطلاقًا الدخول فى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.

    الأمر ببساطة يتلخص فى أن العقوبات الأمريكية تؤثر على القطاعات الاقتصادية والعسكرية والفضائية الروسية، وأن روسيا سوف تقوم بتحصين هذه القطاعات.

    بالعودة إلى موضوع إدلب، من الواضح أنه لا مواجهات عسكرية بين موسكو وواشنطن هناك، رغم تمنيات الصقور فى الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، وكما حدث فى ضربات 14 أبريل الماضى، سيحدث بالضبط. هذا إذا وقعت معارك عسكرية أو وجهت واشنطن ولندن وباريس ضربات لمواقع سورية.

    إن روسيا ببساطة تريد إبراء ذمتها فى حال نفذت الدول الثلاث تهديداها، لأن موسكو لديها معلومات فعلاً بأن هناك ضربات ستوجه للقوات الحكومية السورية، ولا تملك روسيا إلا أن تحمى قاعدتيها "طرطوس وحميميم" ومواقع قواتها هناك، دون التدخل فى ما لا يعنيها.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    اللعب الروسى الأمريكى الخطير فى سوريا 2018-12-04 12:08:59 حرب المعلومات والتكنولوجيا الرفيعة بين روسيا وأمريكا 2018-11-27 16:55:33 وسائل الاتصال الحديثة والمفهوم التقليدى للنخب 2018-11-20 13:03:39 المهمة الأخطر للجيش الأوروبى الموحد 2018-11-13 09:54:51 مصير المثقف فى عصر التحولات العلمية التقنية 2018-11-06 20:09:30 مسامير جحا فى إدلب 2018-10-30 15:14:24 أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16
    للأعلى