وجهة نظر

على دكة الاحتياطى

2018-08-23 12:37:34 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    هناك بعض البشر ممن لهم طبيعة خاصة، بل خاصة جدا، يقبلون أن يجلسوا دائما على دكة الاحتياطى بالنسبة للعالم من حولهم، أو قل: بالنسبة للعالم الذين يجلسون على حافته.

    هى نسبة ضئيلة جدا من الناس.. قد لا تقابل منهم ولا واحد طوال حياتك.. ولكن أن حالفك الحظ ربما ترى واحدا منهم، وعندئذ ستلمح فيه صفات متفردة.. منها أنه غالبا لا يتدخل أبدا فى أحداث حياة من حوله.. فإذا كانت المباراة مشتعلة والفريقان يلعبان لعبا قويا ويجرى اللاعبون من أول الملعب لآخره ويسقط واحدا ويقوم، ويصاب آخر ويخرج، ويحرز اللاعب المهاجم هدفا.. تمر كل هذه الأحداث ويبقى اللاعبون على دكة الاحتياطى دون أن تلمس الكرة قدم أحدهم.. هكذا هؤلاء الذين ينتمون للاحتياطى فى الحياة.. لا يعتركون بمعارك الحياة عادة، بل وكأنهم مشاهدون أقصى ما يستطيعون عمله هو التفاعل الوجدانى مع العالم لا أكثر ولا أقل.

    ثم تأتى لحظة ما تتحول فيها الحياة فتلقى بالضوء على أحد هؤلاء الجالسين الصامتين.. ربما تحتاج المباراة لمدافع قوى، أو رأس حربة بديل، أو حتى حارس مرمى.. وربما تحتاج فى الحياة لمن يهب لنجدتك ولا تجد من الأصدقاء والمقربين من يقوم بالدور العاجل لإنقاذ الموقف.. وعندها قد تجد أحد هؤلاء البشر الذين نراهم كالاحتياطى، وقد أسرع يحمل المسؤولية ويجرى ليعاونك بل لينقذك.

    والعجيب أن مثل هذا الشخص غالبا يفوق توقعاتك فى مهاراته.. فقد لا تتوقع أنه يستطيع أصلا أن يواجه المواقف الصعبة.. ولا ترى أنه كاللاعبين الذين يلعبون فى التشكيل الأساسى للفريق.. ثم يتضح لك العكس.. وترى فيه عونا وسندا وشهامة وشجاعة وحنوا وقلبا رقيقا ويدا قوية.

    صفة أخرى رائعة فى هذا المخلوق المتميز هى أنه يختفى بمجرد أن تنتهى المهمة التى ظهر فى حياتك من أجل أن يقوم بها.. فعندما يطمئن أنك بخير يعود مرة ثانية إلى دكة الاحتياطى.. ولا يمكن أن يطالبك بأن تكون له صديق، أو ترد له جميله، أو حتى تتواصل معه كمعارف.. بل هو حرفيا يختفى من حياتك بنفس السرعة التى ظهر بها.. وقد لا يظهر مرة ثانية إلا لو احتجته!!

    السؤال المهم الذى لا أعرف له إجابة هو هل يا ترى تمتلك تلك الشخصية حياة أخرى هادئة ومتوارية يلعبون فيها دور اللاعب الأساسى فى حياة أسرتهم أو أصدقائهم؟ أم أن كل دورهم فى الحياة هو دور احتياطى؟ دور عامل الإنقاذ.. الصديق الخفى.. البسمة والطبطبة وقت الحاجة.

    والسؤال الثانى هو ألا يحتاجون هم أنفسهم من يقوم بتلك الأدوار المترفقة الحانية من أجلهم؟ أم هم فى الحقيقة أكثر قوة واستقلالية من الذين يعتقدون أنفسهم لاعبين حقيقيين رئيسيين لا استغناء لمباراة الحياة عنهم؟

    الجالسون على دكة احتياطى الحياة هم لغز غير مفهوم.. يبدون ضعفاء وهم فى غاية القوة.. يبدون أقل مهارة وهم أصحاب مهارات متفردة.. يظن الآخرون أنهم مكتئبون لعدم خوض أحداث الحياة الكبيرة، بينما هم يسعدون ويفرحون بأداء أدوارهم الصغيرة فى مظهرها القوية فى جوهرها.. والأهم أنهم لا ينتظرون شكرا ولا عرفانا لأنهم إنما يؤمنون أن هذا هو ما خلقوا ليعملوه.

    تحياتى لكل من يعمل فى هدوء، ويعطى فى هدوء، ويحب فى هدوء.

    إيرينى ثابت
    للأعلى