وجهة نظر

كاتبنا نجيب محفوظ الذى..!

2018-08-21 16:59:59 |
  • أشرف الصباغ
  • الدكتور أشرف الصباغ

    فى الحقيقة، لم يكن كاتبنا المصرى نجيب محفوظ جبانا أو "رعديدا" كما يفضل دعاة النقد وهواة صحافة الإثارة أن يرددوا ليتميزوا عن الآخرين بالخروج عن العقل والرصانة والمنطق.

    كان كاتبنا كأى إنسان طبيعى، يقلق من السلطة، ومن مخبريها المنتشرين حوله، ومن حسد الأوغاد وتأويلاتهم، وبالذات المنافسين وأبناء "المهنة".

    ومع ذلك فقد كانت له أفكاره وانحيازاته ومعاركه التى يفضل البعض تجاهلها ويلجؤون إلى الصيد فى الماء العكر بتأويل المواقف والتصريحات فى اتجاهات مثيرة للسخرية.

    البعض يرى أن الكاتب لابد أن يمارس "الحنجورى" ويسير مع قطعان "الحنجورية" فينسى مهامه الأصلية، بينما "الحنجوريون" يقبضون ثمن "حنجوريتهم" من كل حدب وصوب وفى الغرف المغلقة وبعد المظاهرات والمبايعات.

    التقيت كاتبنا فى عام 1987 "قبل حصوله على جائزة نوبل بعام واحد فقط" وأجريت معه حوارا مطوَّلا ومتنوعا "لم ينشر إلى الآن لأسباب تخصنى"، واكتشفت أننى أمام كاتب جبار ومتابع لكل صغيرة وكبيرة، وذكى، وخبيث، وحاد للغاية، وخفيف الظل، وساخر لأبعد الحدود، وذهنه متوقد، وعارف بكل تفاصيل البحث الأدبى، ولديه دراية كاملة بالقوادين و"الحنجورية" والذين يقبضون من كل حدب وصوب.

    والأهم من كل ذلك، كان عارفا بالتاريخ ومنحنياته ومنعطفاته ومساراته الخادعة.

    وكان وما زال مصريا حتى النخاع، لا يساند الأنظمة الاستبدادية ولا يؤله الطغاة باسم الوطن والدين أو يخضع لابتزاز السياسة والحزب والتنظيم.


    نعرف فى الأدب الروسى فيدور دوستويفسكى، هذا الرجل كان مغرما بمطالعة كل ما يبدو أنه بعيد عن اهتمامات الكاتب الكبير فى الصحف، ومتابعة أخبار البسطاء والمهمشين.

    فترك لنا أنطولوجيا كاملة تضم "شخصيات دوستويفسكي"، ولم يكن يصلح أن يتابع دوستويفسكى أخبار "العامة والدهماء من دون أن يتابع بدقة وتلصص أخبار الحكام والقضاة ورجال الأمن والأمراء والميسورين.

    كثيرون هاجموا دوستويفسكى بعد أن "فَلَتَ" من حكم الإعدام وبدأ يتقرب من الأفكار الدينية واللاهوتية، وهناك من يعتبره مجنونا ومعاديا للسامية ومختلا عقليا.


    هناك أيضا إيفان جونتشاروف الذى تكاد تكون أعماله أهم بكثير من أعمال دوستويفسكى.

    كان جونتشاروف مغرما بمتابعة صفحات الجريمة فى الصحف الروسية وغير الروسية.

    وعندما ضعف بصره فى أواخر حياته، كانت السيدة التى تساعده على القراءة تستغرب جدا من هذه العادة الغريبة.

    لكن جونتشاروف كان ثرثارا، يحب أن يحكى أفكار قصصه وروياته قبل أن يكتبها.

    فـ "اقتبس" منه إيفان تورجينييف فكرة وكتب على أساسها رواية "الانكسار" التى لاق رواجا شديدا بين القراء والنقاد والباحثين الأدبيين.


    ظل جونتشاروف سنوات طويلة يبكى هذا الموضوع ويشتم ويسب تورجينييف.

    وكتب رواية "قصة غير عادية" التى كانت تمثل أضخم إنتاج أدبى لجونتشاروف فى أواسط القرن التاسع عشر.

    ترك لنا جونتشاروف، فى الميثولوجيا الشعبية الروسية، جملة من المصطلحات والتوصيفات التى دخلت فى ما بعد إلى علمى النفس والاجتماع.

    وحتى الآن لا يزال النقاد والباحثون الأدبيون مختلفين على من الأعظم: دوستويفسكى أم جونتشاروف! غير أن الاثنين تركا لنا إرثا ثقافيا اجتماعيا - نفسيا غير عادي، رغم كل "الانحرافات" التى طالت آرائهم ومواقفهم وحياتهم وتصريحاتهم الصحفية، ورغم انحيازاتهم وتوجهاتهم الدينية والطبقية والسياسية.

    لن نتطرَّق إلى سيرة بلزاك فى هذا المقام، لأن الكثيرين يعرفون الكثير عنه وعن مواقفه السياسية والطبقية.

    ومن المؤكد أن كثيرين يعرفون أمورا كثيرة أيضا عن جوته، مثلا، وعلاقته بزوجته كريستينا، وبسيدات أخريات، وبمواقفه من الدولة والمجتمع والطبقات الراقية.

    نعود إلى نجيب محفوظ الذى كان مغرما بمتابعة التاريخ، ومتابعة السياسة الكبرى، والتفاصيل السياسية الصغيرة وعلاقتها بحركة المجتمع.

    فتميَّز بأنه كان يعانى الكثير لكى يبلور آراءه ومواقفه، بصرف النظر عن توافقها أو اختلافها مع الآخرين، سواء كان مع السلطة السياسية أو مع الناس أو مع المتربصين.

    ومع ذلك لم يفلت من مصير أى كاتب جاد وكبير.

    وبعد أن حصل على جائزة نوبل بشهر أو اثنين فوجئتُ بسلسلة مقالات مسمومة وحاقدة لناقد "عربى" كبير ومشهور، كان وما زال ضيفا دائما على المهرجانات والمؤتمرات الأدبية والثقافية المصرية، فى مجلة حزبية فلسطينية متواضعة.

    لم يكن الناقد يهاجم نجيب محفوظ فقط، وإنما كان يحاول أن يثبت طوال الوقت أن محفوظ ليس كاتبا أصلا، ولا يعرف "الألف من كوز الدرة"، وأنه انتهازى وبياع مواقف وآراء، ومخالف لكل التوقعات.

    هذا الناقد غيَّر رأيه بعد عدة سنوات على استحياء، ولكنه ظل يردد سرا تهويماته الساذجة والحاقدة والقذرة.

    لقد تزامن حصول كاتبنا نجيب محفوظ على جائزة نوبل مع ذروة تهميش دور مصر الثقافى عبر حكومات وأفراد و"شلل" ثقافية، وأحزاب عربية، على رأسها البعثين العراقى والسورى والكثير من التنظيمات الفلسطينية المأجورة التى كان لها امتدادات داخل مصر وخارجها، بل وفى دول غير عربية أيضا. وشاركت فى ذلك عقول وقدرات مصرية أيضا.

    فى الحقيقة، نجيب محفوظ كان لديه وجهات نظر تخصه كمواطن مصرى، وككاتب مصرى.

    ومن الممكن أن نختلف معه حولها، لكن علينا أيضا أن نتفهمه، ونتفهم منطلقاته ومخاوفه وأحلامه وآماله.

    واختلافنا معه، لا يمكن أن يدفعنا لاتهامه بالخيانة والعمالة والانتهازية و"الصهيونية"، وإلا فسوف نقوم بإعدام دوستويفسكى "المجنون المعادى للسامية"، وجونتشاروف "المثالى الثرثار صاحب المواقف الطبقية العفنة"، وبلزاك "المرفه ابن الناس المبسوطين"، وجوته "زير النساء قليل الأدب المتعالى صاحب الآراء غير الإنسانية".

    كاتبنا نجيب محفوظ قد يخضع لطرفى النقيض: التطرف فى حبه وتقدير أعماله أو كراهيته والتقليل من شأن أعماله.

    وبين هذين النقيضين تكمن مسارات البحث الأدبى والتاريخى والاجتماعى والنفسي، وقدرة الكاتب على الاستشراف وخلق النماذج الإنسانية التى تعيش لآلاف السنين كجزء من الميثولوجيا الشعبية لمجتمعه وللإنسانية، بعيدا عن التهور والتقديرات غير الدقيقة أو "المنحرفة" التى تنطلق من الأنانية والغيرة والعبارات الجاهزة البعيدة عن البحث العلمى – الأدبى.

    الأدب الروسى جائزة نوبل د.أشرف الصباغ أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    اللعب الروسى الأمريكى الخطير فى سوريا 2018-12-04 12:08:59 حرب المعلومات والتكنولوجيا الرفيعة بين روسيا وأمريكا 2018-11-27 16:55:33 وسائل الاتصال الحديثة والمفهوم التقليدى للنخب 2018-11-20 13:03:39 المهمة الأخطر للجيش الأوروبى الموحد 2018-11-13 09:54:51 مصير المثقف فى عصر التحولات العلمية التقنية 2018-11-06 20:09:30 مسامير جحا فى إدلب 2018-10-30 15:14:24 أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16
    للأعلى