وجهة نظر

تلامس الناس والأحداث

2018-08-16 11:07:34 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    فى مكالمة تليفونية فلسفية مع صديقتى الصحفية، قالت لى: من كل ما رأيته فى حياتى الشخصية، وخبرتى الصحفية أؤكد لكِ أن لا شىء يحدث بالصدفة أبدًا.

    كنا نحلل معًا الأحداث الجسام التى تمر بها الكنيسة القبطية، ثم ذهبنا فى رحلة للحياة اليومية المصرية، ثم تبادلنا الآراء حول حياتنا الشخصية.. وفى تلك الرحلة كنا نخلص إلى نتيجة محققة، ألا وهى أن ظهور أحداث وأناس فى حياة كل منا فى وقتٍ معين هو ليس صدفة على الإطلاق، وأننا لو لم نفهم ظهور الحدث أو الشخص فى وقت ظهوره.

    تمر الأيام ونربط بين ما حدث فى العالم، وفى المجتمع وتداعياته الدقيقة على حياتنا الخاصة.. كما نرى بوضوح ونحلل بدقة أدوارًا مهمة لأشخاص يظهرون فى حياتنا، وقد يُكملون معنا مشوار الحياة لوقتٍ ما، أو قد يختفون.

    قالت إن عالم الصحافة يجعلك تتابع كل الأحداث، وتحاول أن تستنتج ما يربط بينها.. وتعود للتاريخ الحديث، وأحيانًا القديم، لترى توجهات الناس وكيف تسير الأحداث ولماذا.. وأنها فى كل هذا رأت بما لا يدع مجالًا للشك أنه ليس هناك صدفة!! وأن العالم يسير بشكل محسوب بمنتهى الدقة!! وذلك ليس لأن البشر يخططون، بل لأن خطط البشر مهما بلغت من حنكة وتدبير، فإن قوة أعظم من تلك الخطط تقلب الموازين، وتكشف كل ما هو دفين، وتحكم العالم بما يظنه الناس صدفة، وهو فى الواقع خطة!!

    وقالت إن ظهور شخص ما فى وقتٍ ما فى حياة شخص آخر، لا يكون صدفة.. وأنه غالبًا ضمن تلك الخطة الكبيرة التى تشاء أن يساعد أحدهما الآخر فى مشكلة ما.. وافقتها.. ورأيت أننا نسبح فى فضاء الكائنات كفقاعات الصابون السائل التى ينفخها طفل صغير فتطير.. ثم تلتقى فقاعتان أو ثلاث عبر الأثير.. تتلامس لفترة قصيرة ثم تتباعد.. أو تلتصق ببعضها البعض وتظل هكذا.. نعم أؤمن بالإرادة الإنسانية، وبالحرية، وبقوة وثبات الشخصية.. ولكننى فى الوقت ذاته لا أرفض أبدًا فكرة صديقتى الصحفية.

    قلت لها إن ظهور أشخاص فى حياة بعضهم البعض فى زمن معين قد يكون الهدف منه تبادليًا.. أى أن يدعم كل منهما الآخر.. وليس لمجرد أن يرفع أحدهما الثانى من اليأس أو من مشكلة ما.. وأيضًا، قد لا يكون الدور إيجابيًا.. وكما يظهر فى حياتك شخص داعم، يظهر آخر خائن.. وأن لنا نحن أيضًا، أدوارًا فى حياة كثيرين ممن تجمعنا بهم "الصدفة" أو كما قلنا "التدبير الكبير".

    وقلنا إن الأحداث الكبيرة لها تداعيات كبيرة، وأدوار عظيمة فى تغيير مسار التاريخ وتعديل طريق الحياة لأشخاص كثيرين.. فقد يرى البعض أن جريمة قتل الأنبا إبيفانيوس نقطة سوداء فى تاريخ الكنيسة.. ولكنَّ المؤمنين بالتدبير الفائق الكبير يرون أنها حدث جلل سيضع نقاطًا على الحروف.. وأن دم الأسقف المنزوف، سيقلب موازين الشجاعة والخوف.. ولن يبقى سرًا، فالكل مكشوف.. ويرى المهتمون بالأفراد مثلى أن حدثا كهذا سيعيد ثقة الكثيرين ممن كانوا سلبيين وصامتين.. وسيكشف ويكسف الذين كانت ألسنتهم وحروفهم تملأ الدنيا ضجيجًا.

    انتهت المكالمة، ولم تنتهِ الكلمات من قلبينا.. والمثير للدهشة أننى وصديقتى الصحفية كنا مجرد فقاعتين متباعدتين حتى وقت قريب لا يتعدى بضعة سنوات.. وأننا لا يجمع بيننا عمر متقارب، ولا ظروف متشابهة.. ولكنَّ تدبيرًا كبيرًا جمعنا.. ولأن تلاقى الأرواح لا يفسره منطق فقد تلامست حياتنا وأفكارنا نحن الاثنتان.. تحياتى لصديقتى وشكرًا للتدبير الكبير للأحداث والناس.

    إيرينى ثابت
    للأعلى