وجهة نظر

روسيا وضرورة تغيير أمريكا

2018-08-14 15:13:45 |
  • د.أشرف الصباغ
  • أطاحت العقوبات الأمريكية الجديدة بأحلام موسكو فى تطبيع العلاقات مع واشنطن، وخصوصا بعد لقاء القمة "الروسى – الأمريكى" فى هلسنكى الذى لم يتم الاتفاق فيه على أى شىء من الأساس.

    العقوبات الأمريكية الجديدة لا تقتصر فقط على ما أعلنته الولايات المتحدة مؤخرًا وسيبدأ تنفيذه فى 22 أغسطس الحالى بشكل تدريجى، حسب الحاجة والظروف، بل هناك عقوبات كثيرة أخرى فى مجالات عدة من المتوقع أن يتم إعلانها تباعًا.

    أما موسكو فقد أبدت، على جميع المستويات السياسية والبرلمانية والإعلامية، امتعاضها وغضبها من تلك العقوبات، وبدت تصريحات الكرملين أكثر مرونة من تصريحات وزارة الخارجية الروسية. إذ أعلن الناطق الرسمى باسم الكرملين دميترى بيسكوف رفض العقوبات الأمريكية الجديدة ضد بلاده، واتهامها بالتورط فى تسميم ضابط الاستخبارات العسكرية الروسية السابق سيرجى سكريبال فى بريطانيا.

    ووصف الإجراءات الأمريكية بغير الودية، ولا يمكن ربطها بالأجواء البناءة التى كانت فى لقاء القمة بين الرئيسين الروسى والأمريكى فى هلسنكى، وقال "لقد سمعنا إعلانًا رسميًا بشأن العقوبات الجديدة، واستمعنا إلى مصدر رفيع المستوى تحدث عن بعض القيود أو غيرها ضد روسيا. فى حين أننا لم نفهم ما هو المعنى بالضبط، وسيكون من الخطأ الحديث عن تدابير مضادة".

    الخارجية الروسية أكدت أن موسكو ستعمل على وضع إجراءات جوابية على العقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة ضدها، وأشارت المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إلى أن الاتهامات الموجهة لروسيا بالوقوف وراء الهجوم الكيميائى فى بريطانيا لا أساس لها من الصحة، لافتة إلى أن "تأكيد الإدارة الأمريكية استعداداها لمواصلة الجهود الرامية لتحسين العلاقات مع روسيا على خلفية هذه التطورات تبدو عجيبة وتمثل نفاقًا سافرًا، على حد وصفها.

    ورغم التباين الواضح بين تصريحات الكرملين والخارجية، والذى يكشف عن حالة من التخبط والمناورات البدائية للغاية، خرج رئيس الوزراء الروسى دميترى ميدفيديف ليعلن الحرب على أمريكا. إذ رأى أن "تشديد العقوبات ضد روسيا هو بمثابة إعلان حرب اقتصادية، وقال "إذا حدث شيء مثل حظر أنشطة البنوك أو منع تحويل النقود أو غير ذلك، فهذا يمكن اعتباره بشكل مباشر تمامًا، كإعلان حرب اقتصادية، وسيكون من الضرورى الرد على هذه الحرب، بالطرق الاقتصادية، وبالطرق السياسية، وإذا لزم الأمر من خلال وسائل أخرى، ويجب أن يفهم أصدقاؤنا الأمريكيون هذا".

    فى الحقيقة، روسيا كانت تعوِّل كثيرًا على لقاء القمة بين بوتين وترامب فى هلسنكى، وتمادت فى تصوير الأمر على أنه خلاف بين الرئيس ترامب الذى يرغب بتحسين العلاقات مع نظيره الروسى، وبين المؤسسات الأمريكية التى تقف ضد هذا التوجه، وفى الوقت نفسه يجرى تجاهل الخلافات الحادة فى ملفات، على رأسها أوكرانيا وجورجيا وسوريا وتوسع حلف "ناتو" شرقًا وتجميد معاهدات تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية.

    الأمر الآخر والخطير حقًا، هو أن موسكو ووسائل إعلامها ترى أن الرئيس ترامب ضعيفًا وهشًا، لأنه ببساطة لا يستطيع التحكم فى مجريات الأمور فى بلاده، وأن المؤسسات الأمريكية أقوى من الرئيس الذى من الضرورى أن يتحكم فى الكونجرس ومجلس الشيوخ، ويصدر فرامانات وقرارات ويجبر كل هذه المؤسسات على الخضوع لأوامره هو فقط.

    ببساطة، يجب على الولايات المتحدة أن تغير نظامها السياسى، وتصبح مثل روسيا التى يترأسها رئيس قوى وذكى قادر على التحكم بكل شيء وتوجيه كل المؤسسات.

    من الواضح أن أمريكا لن تغير دستورها أو تجرى تحولات فى نظام الحكم، ولن تكون عند حسن ظن التقديرات الروسية التى تدور أصلاً فى حلقة مفرغة سياسيًا وإعلاميًا، وتجتر نفس التصريحات، وتقوم بنفس المناورات والاستقطابات وإقامة التكتلات الهشة، اعتمادًا على "كراهية أمريكا" فقط، إذ لم تعد روسيا تطرح أفكارًا جديدة أو تدعو إلى توجهات دولية مختلفة عن الولايات المتحدة، وإنما باتت تنافس كل القوى الاقتصادية الرأسمالية على مناطق النفوذ، ما يجعل دعواتها مثيرة بعض الشيء للسخرية من جهة، ومحل استفهام وتساؤل من جهة أخرى، خاصة وأن موسكو حاول الآن استخدام مصطلحا غريبة مشابهة لمصطلحات الاتحاد السوفيتى، وتفعل أشياء أخرى تمامًا متناقضة مع تلك المصطلحات، وربما يكون الاتحاد السوفيتى نفسه كان يمارس تلك التناقضات، ولكن لا أحد يريد أن يستخلص العبر!

    د.أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى