وجهة نظر

أنت مش أنت.. وأنت ياسر برهامى

2018-08-13 09:01:01 |
  • د.محمد فياض
  • دكتور محمد فياض

    تحاول هذه المقالة أن تقدم قراءة موضوعية لبعض أفكار الشيخ ياسر برهامى وذلك بدون أى افتئات أو تأويل بل تقتصر هذه القراءات على ما كتبه الرجل بيده ونشره فى كتب تحمل اسمه.

    وستقتصر هذه المقالة على القراءة فى كتابين فقط كخطوة أولى، يأتى الكتاب الأول بعنوان "منطلقات الدعوة إلى الله" وهو يقع فى "495 صفحة من القطع المتوسط"، والكتاب الثانى بعنوان فقه الخلاف بين المسلمين ويليه فقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر "وهو كتاب يقع فى 240 صفحة من القطع الصغير".

    وعلينا هنا قبل أن نقرأ أن ندرك ملاحظ غاية فى الأهمية فالكتابين طبعة سنة 2010 أى قبل حدوث المنحنى الخطير الذى مرت به مصر فى 25 يناير 2011، ويبدو أن صدور مثل هذين الكتابين فى هذا التاريخ كان أمراً مفيداً جداً لنا لنقرأ بحرية وبدون أى تلونات أو حسابات سياسية كيف يفكر الرجل الذى يعبر عن تيار ضخم، وكيف كانت هذه التحولات الضخمة التى مر بها الرجل؟.. وهل هى تحولات فكرية أو موائمات سياسية أم مجرد تقية مجتمعية؟

    وكعادة الرجل صادم.. غير تقليدى.. فها هو فى بدايات كتابه "منطلقات الدعوة إلى الله" يكفر كافة المجالس التشريعية ففى صفحة 46 يقول "والمجالس التشريعية التى تسن قوانين مخالفة للشرع يلزمون بها العباد وترى أن للأغلبية أن تفرض رأيها حتى ولو كان مخالفاً للشرع مجالس كفرية"، ومن المثير أن هذه الآراء الواضحة الصريحة كانت للرجل فى كتاب مطبوع سنة 2010 ثم غض البصر بعد ذلك وشارك السلفيين فى مجلس النواب الكافر حسب فتوى صديقنا الشيخ برهامى.

    وفى ذات السياق فالرجل يتحدث عن المجالس التى لا تخالف الشريعة بشكل حاسم وحازم فيتحدث عن الشرط الأول لهذه المجالس بأن يكون أعضائها بالكامل مسلمين ويوظف الرجل الآية القرآنية الكريمة "ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلاً"، وأنه لا سبيل لأن تنعقد الإمامة لكافر، كان هذا برهامى 2010 أما برهامى هذه الأيام فلا مانع لديه أن تُزين قوائم حزب النور بمسيحيين وذلك وفقاً للمصلحة السياسية والتحولات النفعية التى يقف أمامها ميكيافيلى مندهشاً من فرط إعجابه.

    ثم ينتقل الرجل فى صفحة 47 لتكفير من نوع جديد فيقول إن "من المبادئ الوضعية التى تخالف أصل الإيمان والإسلام من فصل الدين عن الدولة وأنظمة المجتمع والمساواة بين الملل كلها واحترام الكفر والردة وقبولها كتعدد الشرائع لا يفسد للود قضية كما يزعمون كل هذا من العصبية الجاهلة والولاء للكافرين والمنافقين مما يستوجب على كل مسلم رده وهجره ومحاربته والتبرؤ منه".

    وها هو شيخنا الجليل ينتقل بسلاسته المعهودة وسماحته المحمودة ليتحدث عن الديمقراطية وبقولاً واحداً يصف الشيخ الديمقراطية بالكفر ففى صفحة 50 يتحدث عن حكم الداخل المشارك فى العملية السياسية بغرض تحقيق الديمقراطية بمعنى إباحة التشريع لغير الله طالماً كان حكماً للأغلبية فهذا شرك مناف للتوحيد "حسب قوله"، وينتقل بثقة شديدة للحديث عن موقف الدعوة السلفية من المشاركة فى هذه المجالس ثقة المؤمن بقضيته وفكره الذى لن يحيد عليه أبداً فها هو الثابت على موقفه يقول "ترى الدعوة عدم المشاركة فى هذه المجالس المسماة بالتشريعية سواء بالترشيح أو الانتخابات أو المساعدة لأى من الاتجاهات المشاركة فيها".. "فالديمقراطية فى أصل معناها على المصطلح الغربى مثل صنم العجوة الذى كان يصنعه المشرك فإذا جاع أكله".

    ويخلص الرجل لنتيجة بأن الحل البرلمانى ليس هو الطريق للتغيير المنشود، وهو يتشابه مع ما ذكره فى كتابه الآخر عن فقه الخلاف ليقول فى صفحة 96 والتى تليها "ولا شك أن أهل البدع المعاصرة المنتسبين إلى الإسلام الداعين إلى الكفر والنفاق من أصحاب المذاهب الإلحادية كالعلمانيين وأصحاب القوانين الوضعية والديمقراطيين والاشتراكيين والوطنيين القوميين الذين يريدون هدم الرابطة الدينية للمجتمع وإقامة الرابطة الوطنية بدلًا منها.

    ثم ينتقل شيخنا الجليل إلى فتواه الخاصة بفصل الدين عن السياسة وأن هذا الفصل حسب رأيه مروق من الدين وزندقة ونفاق، ثم ينتقل إلى القاعدة الكلاسيكية الشهيرة بأن ذلك جحد للمعلوم من الدين بالضرورة.. وبأن فصل الدين عن السياسة كفر مستقل، ثم يتحدث عن المشاركة فى اللعبة السياسية لا يمكن إلا بالتنازل عن عقائد ومبادئ وقيم لا يرضى أبداً أحد من أهل السنة أن يضحى بها فى سبيل الحصول على مكسب وقتى أو وضع سياسى أو إثبات الوجود على الساحة، فهذه المبادىء أغلى وأثمن من أن تباع لإثبات موقف أو لإسماع صوت بطريقة عالمية، ثم لا يترتب على هذه المواقف فى دنيا الواقع شىء يذكر من الإصلاح المنشود والتطبيق الموعود لشرع الله.

    وهكذا كان الوضع سنة 2010 برهامى.. والوضع بعد 2011 برهامى تانى خالص!

    وفى ذات السياق يحلل لنا الشيخ ياسر الفلسفة الزائفة للديمقراطية فالرجل يحتقر أصلاً فكرة الاحتكام للشعب لأنها فكرة ضالة ويسوق لنا مثلاً يدلل لنا بامتياز عن فكره وأيدلوجيته فالرجل فى ذات الكتاب صفحة 66 يقول أن فكرة الاحتكام للشعب كارثية ومرفوضة لأنها من الممكن أن تأتى لنا برئيس مسيحى أو رئيس زنديق!

    ثم دارت عجلة التاريخ واحتكم السلفيين للشعب.. متنازلين عن مبادئهم المطبوعة سنة 2010.

    هذا ولم يحرمنا الشيخ الجليل من فتاوى أخرى تتعلق بالمجتمع السمح الذى يبتغيه فها هو يتحدث عن أمور الحسبة فى المجتمع والتى يتدرج فيها من الوعظ بالكلام الخفيف ثم السب والتعنيف، ثم المنع بالقهر، ثم التخويف، والتهديد بالضرب.

    ومن الجدير بالذكر أن الرجل لم يترك صفحة من كتابه إلا واعتمد فيها على الملهم الأكبر شيخ الإسلام ابن تيمية، ليس ذلك فقط بل لم يمنع الشيخ برهامى نفسه من الاعجاب الشديد بالنسخة المعاصرة من ابن تيمية وهو سيد قطب بل ورجع أكثر من مرة لكتابة التكفيرى الأعظم "معالم فى الطريق" ليستكمل فسيفساء التشديد على المجتمع وممارسة الحسبة عليه ليقول "فالرسالة هى الرسالة والناس هم الناس وهناك ضلالات وأهواء شبهات وشهوات وهناك قوى عاتية طاغية تقوم دون الناس ودون الدعوة وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل والقوة، ولا بد من إزالة العقبات التى تعترض الدعوة".

    ثم يكرر الاقتباس من سيد قطب بعد ذلك فى صفحة 210 وينهى تحليله بالقول أنهم يريدون الشخصية الإسلامية التى تثقل بها الكفة فى الصراع الدائر بين الحق والباطل هو أشد ما نعتقده ونريده كحركة إسلامية، وهكذا يضع الرجل كل الجماعات الإسلامية فى كفه واحده ثم يتحدث لاحقاً فى صفحة 478 ليعيد الحديث على ضرورة التماسك أمام الشيوعيون واليهود والنصارى وسائر المشركين الذين لا دين لهم.

    وهو نفس المعنى الذى تحدث عنه فى كتابه الآخر "فقه الخلاف بين المسلمين" حيث تحدث عن تنوع الجماعات الإسلامية فبعضهم همه الدين وبعضهم همه الجهاد مثل ما حدث فى البوسنة وكشمير وغيرها وبعضها هدفه التواجد فى العمل السياسى والنقابات، وأن هذا التنوع مطلوب وليس مذموم بل تحقيق التكامل بين الاتجاهات الاسلامية هو ما يحقق للصحوة كل خير، وكأننا هنا أمام حالة فكرية واحدة يتكامل فيها برهامى مع سيد قطب من أجل قضية واحدة، قضية عشناها ولا نزال نحيا فى آثار سوادها حتى الآن! وهنا وفى خلفية المشهد البائس يخترق صوت الرئيس الراحل أنور السادات هذا الظلام ليكرر جملته "مفيش حاجة اسمها إخوان وسلفيين.. كله واحد"!

    انت مش أنت وأنت ياسر برهامى د. محمد فياض
    إقرأ أيضاً
    المنبر المفخخ 2018-11-08 14:58:56 مشروع الرئيس الفكرى 2018-09-07 12:28:19 فضيحة أن تكون إخوانيًا 2018-07-27 09:31:13 المرأة فى فكر الجماعات الإسلامية المتشددة 2018-07-11 09:54:16 أبناء سامية شنن 2018-06-30 10:25:10 فى حفلة عمر خيرت لم يحضر أحد من الدواعش 2018-06-23 08:46:49 متحف الخراب 2018-06-13 14:51:03 بعض أدوات السيطرة العقلية على أبناء الجماعات المتشددة 2018-05-29 13:42:47 بروتوكولات حكماء إخوان 2018-05-11 12:02:59 عندما صار للمصريين ضهر 2018-04-03 09:51:51 أحلام أحفاد كسرى.. سيكولوجية السياسة الإيرانية 2018-03-12 08:23:48 صليل الصوارم «النسخة الشعبية» 2018-03-06 15:03:43 نساء الغل الإخوانى 2018-02-24 09:13:20 مأساة التدين الشعبى 2018-02-17 18:19:37 الورد اللى فتّح فى جناين فيرمونت 2017-12-11 13:25:16 لماذا يشوه الإخوان جدران الوطن؟ 2017-12-04 11:17:28 بابا خدنى أصلّى معاك 2017-11-26 11:52:38 الشنطة فيها كتاب دين 2017-11-20 08:21:29 متحف الكائنات الإخوانية المنقرضة 2017-11-14 14:36:59 افتكاسات وتحليلات الكائن المثقف العميق 2017-11-06 08:14:44 القرضاوى.. العمامة المفخخة 2017-10-31 09:19:22
    للأعلى