وجهة نظر

جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام

2018-08-07 13:51:52 |
  • د.أشرف الصباغ
  • عندما علم الكاتب البرتغالى جوزيه ساراماجو (1922 - 2010) بخبر منحه جائزة نوبل فى الآداب لعام 1998 أعلن على الفور: "إذا كان شرط منحى جائزة نوبل هو التخلى عن قناعاتى التى آمنتُ بها طوال حياتى، فأنا أعلن مسبقًا بأن تلك الجائزة لا تلزمنى".

    ساراماجو هذا، كان شخصية مريبة فعلاً. فهو منذ زمن بعيد حاز على لقب "المشاغب الراديكالى"، ونال وسام "مُعكر صفو المجتمع"، وربما لهذين السببين تحديدًا لم يكن أحد يحبه لا فى البرتغال ولا فى أوروبا. هذا الرجل كان يشبه الغراب الأبيض فى واقعنا الآنى بعد انهيار العالم، أو بالأحرى "تفكيك العالم". وربما يستقبل البعض تفسير "انهيار العالم" بتوجس ويطلقون اتهامات فارغة. ولكن الحقيقة أن ساراماجو فعلا كان شخصًا عجيبًا وغير عادى - وهذا ما جعلنا نشبهه بالغراب الأبيض فى زمن ينهار بين أيدينا وأمام أعيننا وننزلق نحن معه بهدوء عجيب وكأننا فى حلم، أو بشكل أدق تحت تأثير "مخدر" جيد النوعية.

    ساراماجو ببساطة، كان يحب التمسك بتلك الحقائق القديمة! التى عفا عليها الزمن، والتى اتضح مؤخرًا أنها غير صادقة بل وتشكل خطورة على أمن الفرد وأمن المجتمع فى آن واحد.

    الأهم من كل ذلك أن تلك الحقائق والقناعات صارت قديمة ومهلهلة - كما يعلن الكثيرون اليوم، وخصوصا الذين كانوا فى يوم ما من أصحابها - ولا تتساير مع الموضات والتقاليع الفكرية الجديدة.

    كل ذلك يجعل من ساراماجو وأمثاله عرضه للسخرية والإشفاق فى آن واحد، يجعلهم مثل بهاليل المتصوفة، والمثاليين الذين لا يستطيعون الانضمام إلى قافلة البراجماتيين فى العالم المعاصر، ومع ذلك فالغراب الأبيض وضع أمام لجنة تحكيم جائزة نوبل تلك المقابلة الحادة دون وضع أى اعتبار لنظراتهم الساخرة، بل وواصل ترسيخ أفكاره والتمسك بوجهات نظره والتدليل على صحتها، أو على الأقل إثبات أنها مازالت صحيحة وصالحة رغم الانهيار التام المقبل.

    ساراماجو كعادته دائمًا، لم يكن يخشى أن يبدو مثيرًا للسخرية وهو يلقى بحديثه أمام لجنة الجائزة. ذلك الحديث الذى كان يعتبر بحق إحدى آيات الحكمة والكبرياء للبسطاء من البشر الذين كانوا وما زالوا أبطال رواياته، ولكن يبدو أنه لم يكتف بذلك فبعد الاحتفال الرسمى بمنح الجائزة وأثناء وجوده حول مائدة الطعام، وبين الجميع هب ليلقى بذلك النخب:

    "فخامتكم، جلالتكم، السيدات والسادة..

    اليوم، بالضبط، يكون قد مر خمسون عامًا على توقيع ميثاق حقوق الإنسان، ومن ثم فهذه المناسبة تجد مزيدًا من التقدير فى العالم كله ويتم الاحتفال بها على أوسع نطاق. ولكننا نعرف جميعًا كيف يخمد اهتمامنا بهذه الموضوعات نظرا لانشغالنا بأشياء كثيرة يومية وأكثر إلحاحًا. ولذلك، وأنا هنا لا أخشى أن أخطئ، يمكن التنبؤ بأن الاهتمام العام بهذه المناسبة وبما تحمل من رموز ومعان سوف تبدأ فى الخمود والتلاشى قريبًا. لستُ ضد الاحتفال بمثل تلك المناسبات، وأنا نفسى، وفى حدود إمكانياتى المتواضعة، شاركتُ فيها وألقيتُ الكلمات التى تليق بمثل هذه المناسبة. وعلى اعتبار أننا ما زلنا نحتفل بهذا التاريخ، أود لو أنتهز هذه الفرصة لأضيف إلى كل ما قيل بعض الكلمات.

    إن حكوماتنا خلال نصف القرن المنصرمة، وكما أتصور، لم تلتزم تماما بواجباتها نحو حماية حقوقنا الإنسانية، على الرغم من أن ذلك كان يعتبر واجبها الأخلاقى. فما زال الظلم يواصل نموه وازدياده، وما زال عدم المساواة يتعمق، وتتضاعف الفظاظة والجهل والجلافة، ويزاد الفقر والعوز ويتناميان.

    إن الإنسانية كما لو كانت قد أصيبت بالفصام، فهى ترسل إلى الكواكب البعيدة بتلك الآلات العجيبة من أجل الحصول على عينة من الصخور، ولكنها فى ذات الوقت تنظر بلا مبالاة إلى الملايين الذين يموتون من الجوع. لقد أصبح الوصول إلى المريخ أسهل وأبسط من سماع أنين ذلك الإنسان الذى يقف بالضبط إلى جوارك.

    كل ذلك يحدث لأن الكثيرون لا يلتزمون إطلاقا بواجباتهم. وأول هؤلاء هى الحكومات: فهم إما لا يعرفون كيف يفعلون ذلك، وإما لا يستطيعون، وإما لا يريدون. وإما لا يسمح لهم بذلك هؤلاء الذين يحكمون العالم بشكل فعلى، أصحاب الشركات المتعددة الجنسية والعابرة للقارات، تلك السلطة التى ليس لها أية علاقة بالديمقراطية، والتى قامت مؤخرًا بتدمير البقية الباقية من المثل العليا للديمقراطية.

    أما نحن، المواطنون، فلا نقوم بواجباتنا أو التزاماتنا. فى هذه الحالة لا يمكن أن توجد حقوق إنسان على النحو الذى يتفق مع الواجبات والالتزامات. بل ولن توجد أيضًا أية أسس تجعلنا نفترض أنه خلال النصف قرن المقبل سوف تقوم حكوماتنا بما لم تقم به طوال الخمسين سنة الماضية والتى نحتفل بمرورها الآن.

    سوف نأخذ نحن، المواطنون العاديون البسطاء، على عاتقنا ذلك المطلب. وبنفس هذا العناد والتوهج اللذين نطالب بهما صيانة حقوقنا والحفاظ عليها، سوف نتمسك فى إصرار بمطالبتهم بالوفاء بتلك الالتزامات والتى بدونها تصبح حقوقنا مجرد كلمات فقط. ومن الممكن، فى هذه الحالة، أن يصبح العالم أفضل بكثير".

    الغراب الأبيض بين الغربان السود فى الواقع وفى الأساطير أيضًا، قال، وما زال يقول للجميع: أنا ابن البرتغاليين البسطاء ليست لى علاقة بالإمبراطورية البرتغالية الاستعمارية. بسيطًا ولدت وبسيطًا عشت - آمنت بقناعاتى من خلال واقعى، وها أنذا أمامكم بعد انهيار الإمبراطوريات والأفكار الدوجمائية وفى ظل سيطرة القطب الواحد، وإرهاب الدولة الواحدة، وتضخم الذات على غرار حكام روما القديمة، وسيطرة الشركات العابرة للمحيطات - أعرب عن إصرارى عليها لأنها مازالت صالحة طالما هناك هذا الكم الهائل من الفقراء والجوعى والمشردين، صالحة لأنها من الواقع الأرضى وليست من المريخ!

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى