وجهة نظر

الأنبا ابيفانيوس الحى

2018-08-02 09:42:40 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    جريمة بشعة اهتزت لها الكنيسة المصرية والمجتمع المصرى كله بسبب مقتل الأنبا ابيفانيوس، رئيس دير أبو مقار الكبير فى ديره فجر الأحد الماضى، وفجر الأحد مفهوم عند كل مسيحى فى العالم بأسره أنه مرتبط بالقيامة والحياة لا الموت.

    لكن ما يحدث على صفحات التواصل الاجتماعى هو الموت لا الحياة، لن أتحدث عن الرجل القديس العالم الناسك المتواضع الباسم الذى رحل، فمعرفتى به لا تسمح لى بالحديث عنه بعد مئات المقالات والمقولات والحكايات والـ"Posts" والخبرات الشخصية التى تم نشرها على الـ"سوشيال ميديا" وما زالت تتوارد عليها حتى اللحظة من أناس عرفوه وشهدوا له ليس من الكنيسة فقط، بل والكثير من المصريين المسلمين الذين التقوه فى مؤتمرات علمية أو أبحاث أكاديمية، كما أن حديث قداسة البابا تواضروس عنه فى صلوات التجنيز كان أيضا كاشفا عن مكانة وقدر الرجل فى الكنيسة القبطية.

    ما يزعجنى ويزعج كثيرين حولى هو بشاعة ما يحدث على صفحات التواصل الاجتماعى لدرجة تصل إلى بشاعة الطريقة التى قتل بها الأنبا ابيفانيوس، الجميع يدّعون معرفة ما حدث، كل واحد يكتب سيناريو خاص به وفيه يحدد الجانى وطريقة القتل والدافع والمتآمرين بل وربما أين ذهب القاتل بعد ذلك، وكل واحد يتمسك بوجهة نظره المبنية على فكره وحده ويصر أنها السيناريو الوحيد للجريمة، والأسوأ من كل ذلك أن كل واحد يرفض أن يعطى للآخرين حق تأليف سيناريوهات خاصة بهم ونشرها والدفاع عنها كما فعل هو.

    أعلم أنها ليست المرة الأولى بل هو مشهد متكرر كل يوم عن كل قضية فى المجتمع المصرى الذى صار منذ 10 سنوات تقريبا مجتمع ملئ بأصحاب الرأى والرؤى والمحللين والخبراء فى كل مجالات المعرفة وبدون أى مؤهلات لذلك، وأحاول استكشاف أسباب وظواهر هذا المشهد وخصوصا فى إطار ما هو حادث الآن عن الأنبا ابيفانيوس الراحل العظيم.

    أكبر أسباب تلك الظاهرة على مستوى العالم هو الاعتقاد الدائم بنظرية المؤامرة، فكثير من البشر في مجتمعنا وفى غيره من المجتمعات تلقوا تعليما وتنشئة تتبع فكرة تعليل الأحداث بنظرية المؤامرة وذلك استباقا لأى شواهد وأدلة حقيقية، وهو فكر له مسبباته التاريخية من الحكم القبلى الدكتاتورى الذى كان السبب دائما في ظلم المجتمع وبالتالى صار أفراده يؤمنون بدون تفكير منطقى أن السبب فى أى مشكلة هو مؤامرة من جهة سلطة ما.

    وتأتى ثانى تلك الأسباب متمثلة فى ضيق الأفق الناتج عن العلم السطحى وعدم القدرة على التعايش مع الفكر المختلف، غالبًا ما نرفض الفكر المختلف بعنف حين يكون فكرنا مجرد عصبية وليست قناعة مبنية على أدلة ولا نستطيع الدفاع عنها بمنطق، حينئذ نلجأ للعنف والسباب والهجوم، كما أن رفض الآخر ورفض احتماليات لسيناريوهات أخرى غير التى نفكر بها يرجع سببه إلى عدم الاعتراف بأن الأفكار المختلفة بل والمتباينة والمتعارضة يمكن أن يتعايش أصحابها دون أن يقضى الواحد منهم على الآخر، فهناك أصدقاء ينتمون لمدارس فكرية متضادة يعيشون عمرهم بأكمله يتجادلون ويحاول كل منهم اقناع الآخر بالمنطق والهدوء حتى الموت ولا يتفقوا، لكن يتعايشوا بل ويتصادقوا.

    ومن الأسباب النفسية لذلك العنف المستميت أن غضبا داخليا لأسباب شخصية ربما تكون الفشل أو عدم التميز أو الملل يجعل صاحبه ينفعل بدون حساب ولا حدود لقضايا عامة ليس له فيها ناقة ولا جمل وينفث غضبه بتشويه الآخرين المخالفين لفكرته أو اتجاهه! والمثير للشفقة أن مثل هؤلاء الغاضبين غالبًا ما يكونوا منقادين لفكر آخرين وتكون عصبيتهم لهذا الفكر لا عن اقتناع بل لمجرد اثبات الوجود ولمحاولة الظهور على صفحات السوشيال ميديا لأنهم فشلوا فى الظهور الحقيقى على أرض الواقع.

    ويرتبط بذلك أيضا ما ندعوه بالإنجليزية "Obsession"، وهى فكرة تسيطر على الإنسان وتسلبه كل قدرات الرؤية المنطقية والتحليل الواقعى، وهى كارثة شخصية لأن من يعانى منها قد يدمر نفسه، مثلا قد يعتقد إنسان أنه يتم انتقاده على كل شىء يقوم به مهما كان لأن منتقديه أشرار مدسوسين وممولين ومهمتهم الأساسية هى تشويه صورته مهما أتى من أفعال جيدة، وبالتالى يهمل هذا الشخص حتى همسات المخلصين الذين يريدونه فى أبهى صورة ولا يميز النقد السلبى من النقد الموضوعى، بل ويرفض أصلا الاستماع لأى وجهة نظر أخرى تخالف قناعته التى تحتل فكره.

    بالتأكيد هناك أسباب أخرى تشعل تبادل الاتهامات والسباب والتخوين والتكفير بل والشيطنة، ومنها رغبة بعض الكتل فى استقطاب البسطاء فيستغلون الأحداث الكبيرة كحادثة الغدر بالأنبا ابيفانيوس وقتله لتصدير سيناريوهات تبدو منطقية لأصحاب الهوى العصبى ويضمون لهم أكبر قدر من الأصوات الغاضبة لملء ساحة التواصل الاجتماعى بما يودون تصديره وذلك للدفاع عن أنفسهم وعن مصالحهم.

    يا أصحاب الآراء السديدة الذين تبدون جميعا رغبة فى كشف الحقيقة وكأنكم كلكم تسعون وراءها، الحقيقة المبنية على الإيمان المسيحى هى أن الانبا ابيفانيوس "ليس هو ههنا لكنه قد قام"، وفجر الأحد شاهد لكم جميعا، الحقيقة هى أن الدم علامة التطهير، وأن تهشيم الرأس لا يعنى قتل الفكر، وأن العنف الذى يفضى إلى الموت لن ينتصر أبدًا على الفكر والعقيدة والإيمان الذى يقود إلى الخلود، كفوا عن الموت واتجهوا بأبصاركم وقلوبكم للحياة.

    إيرينى ثابت
    للأعلى