وجهة نظر

أسقف إسرائيل العالية

2018-07-24 18:00:12 |
  • د.أشرف الصباغ
  • الدكتور أشرف الصباغ

    التقى رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين، منذ عدة أيام، وجرت بينهما مكالمة هاتفية بعد اللقاء بيومين، كان محورها "الإيرانيون فى سوريا".

    فجأة، تم الإعلان عن إرسال بوتين بوزير خارجيته سيرجى لافروف، ورئيس أركان جيشه فاليرى جيراسيموف، إلى تل أبيب لإجراء مباحثات مع نتنياهو. ما يعنى أن هناك أمور جديدة رغم أن لا شيء تغيَّر من حيث القصف الإسرائيلى على سوريا، أو من حيث العلاقات الروسية – الأمريكية.

    ومن الواضح أنهم أرادوا أن تكون هذه الزيارة مهمة، أو تبدو كذلك، حيث تم وصفها تارة بالمفاجئة، وتارة بالتى لم يعلن عنها. وفى كل الأحوال لم تخفض إسرائيل من سقف مطالبها.

    السقف الإسرائيلى يتلخص فى حرمان إيران من أى موطئ قدم عسكرى فى سوريا، ولكن هذا لا يعنى أن يحدث ذلك بالضبط، فتل أبيب تريد إزالة جميع الصواريخ طويلة المدى من سوريا وإغلاق جميع المصانع التى تصنع أى صواريخ ذات معايير خاصة، وإخراج جميع أنظمة الدفاع الجوى التى تحمى تلك الأسلحة المذكورة، وإغلاق المعابر الحدودية بين سوريا ولبنان، وبين سوريا والعراق، لمنع تهريب الأسلحة الإيرانية، وأن تضمن روسيا إقامة حزام أمنى بعرض حوالى 100 كم عن الحدود الإسرائيلية الشمالية.

    هذا هو السقف الإسرائيلى المعلن، ما يعنى أن هناك سقفًا آخر غير معلن، ويبدو أن السقفين لا يمكن رفعهما إلى هذا الحد إلا بموافقة الولايات المتحدة. فى كل الأحوال، إسرائيل تبدو راضية عن السقف الأول، كخطوة أولى، ولكن كل المؤشرات تؤكد أنها ستستمر بالعمل لمنع الوجود الإيرانى فى أى مكان آخر فى سوريا، وحتى موافقة طهران على إنشاء منطقة عرضها 100 كم تخلو من القوات الإيرانية أو المليشيات التى تدعمها، غير كاف بالنسبة لإسرائيل، إذ يبدو أن تل أبيب وواشنطن تريدان تحويل سوريا إلى لبنان آخر.

    إسرائيل أبدت مرونة هائلة فى مباحثاتها مع روسيا على كل المستويات، ولم ترفض أى مقترحات روسية. لكنها تعلن وتؤكد دوما أنها تحتفظ لنفسها بحق التصرف فى أى وقت وبأى شكل، سواء مع القوات الإيرانية أو مع المليشيات التابعة لها، أو مع قوات بشار الأسد نفسه، ولا توجد اعتراضات روسية على هذا المبدأ.

    فى الوقت نفسه، لا تستطيع روسيا أن تنفذ جميع مطالب إسرائيل، وبالذات فى ما يتعلق بإنهاء الوجود الإيرانى بالكامل فى سوريا، لأنها بذلك تحرم نفسها من ورقة ضغط فى غاية الأهمية والخطورة وتضر بمصالحها على أرض الواقع.

    ومن جهة أخرى، فروسيا غير قادرة عمليا على إخراج الإيرانيين، لأن خطوة كهذه ستفجِّر العلاقات بين موسكو وطهران، وبين الأولى وبشار الأسد، وستكون المستفيدة الأكبر منها هى تركيا التى تصول وتجول فى سوريا بأريحية كبيرة.

    روسيا تحاول الالتفاف على المطالب الإسرائيلية من خلال فهم موسكو لبند التعاون "الروسى – الأمريكى" فى تسوية الأوضاع الإنسانية فى سوريا وإعادة اللاجئين، وتتعجل تشكيل اللجنة الدستورية ليس قبل انعقاد جولة جديدة من مباحثات جنيف، وإنما قبيل انعقاد الجولة العاشرة من مشاورات "أستانا" التى ستعقد فى "سوتشى" يومى 30 و31 يوليو الحالى.

    وذلك يعنى أن روسيا قررت ضم صيغتى "أستانا" و"سوتشى" فى صيغة واحدة قبل أى مباحثات فى جنيف، وهو ما سيسهل لها فرض شروطها على جميع الأطراف، وفى مقدمتهم المعارضة السورية، ووضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام أمر واقع جديد. بصرف النظر عن رضاء الولايات المتحدة أو أى من حلفائها الغربيين أو الإقليميين أو المعارضة السورية أو إسرائيل.

    إن كل الخطوات المقبلة مرتبطة ارتباطًا عضويًا بتحريك الولايات المتحدة قواتها فى جنوب سوريا وإخراجها من قاعدة "التنف"، وبإعلانها عن رأيها فى الجولة العاشرة من مشاورات "أستانا" المرتقبة، وبتحديد علاقاتها بالمعارضة السورية ومستقبل هذه العلاقة، ولكن واشنطن صامتة، كما لو أنها تؤكد أن كل ما يشغل إدارة ترامب فى هذه المرحلة هو إيران، وليس أى شيء آخر، بما فى ذلك مصير بشار الأسد الذى نجحت روسيا فى الحفاظ ليس فقط عليه وعلى سلطته، بل وتأهيله لأدوار مستقبلية، واستخدام هذه الأدوار لتحقيق مصالحها فى المنطقة من جهة، ولكبح النفوذ الأمريكى وسيطرة واشنطن على أوراق الشرق الأوسط من جهة أخرى.

    د.أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    المهمة الأخطر للجيش الأوروبى الموحد 2018-11-13 09:54:51 مصير المثقف فى عصر التحولات العلمية التقنية 2018-11-06 20:09:30 مسامير جحا فى إدلب 2018-10-30 15:14:24 أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20
    للأعلى