وجهة نظر

أخت للحوت!

2018-07-19 10:10:43 |
  • إيرينى ثابت
  • حكت لى قصة الحوت الوحيد، وكأنها تتكلم عن نفسها.. قالت إن أُنثى الحوت التى تابعها علماء الأحياء البحرية منذ عدة سنوات كانت تعيش وحدها، ولا تتواصل مع الحيتان من جنسها وفصيلتها، وأنها حالة نادرة بل الوحيدة فى العالم.

    يبدو أننا نتأثر خارجيًا بما يتصل بدواخلنا، لأن تلك الفتاة التى كانت تحكى لى بتأثر خبر أنثى الحوت كانت هى أيضًا، تعانى من الوحدة.. قالت إن العلماء الذين تتبعوا لمدة عدة سنوات سلوك أنثى الحوت الوحيدة اكتشفوا أنها لا تستطيع التواصل مع أبناء جنسها وتعيش سابحة وحدها تمامًا.

    وأرجع العلماء السبب إلى مشكلة ما فى ذبذبات الصوت لدى هذا الكائن العملاق فقد اكتشفوا أنها تطلق نداءً للتواصل مع بنى جنسها كعادة تلك المخلوقات، ولكنَّ نداءها يأتى فى تردد ذبذبات صوت أعلى بكثير جدًا من أصوات بنى جنسها لذا لا يسمعها أقاربها حتى لو كانوا على مسافة قريبة منها لأن مستوى السمع لديهم لا يصل إلى سمع هذا التردد العالى!

    وتقول الفتاة الوحيدة نقلا عن العلماء الذين تابعوا الحوت، إن أنثى الحوت المسكينة تطلق نداءاتها فى شكل أغنيات قصيرة متتالية لمدة عدة ثوانٍ لعل أحدًا من بنى جنسها يسمعها، ولا تيأس من تكرار المحاولة كل يوم عدة مرات.. ولكن دون جدوى.

    تأثرت كثيرًا بقصة الحوت، ولكننى كنت أكثر تأثرًا بالفتاة التى تحكيها.. هى فتاة لا تزيد عن الـ 15 عامًا من العمر.. وليس لها إخوة ولا أخوات.. كان لقاءً عابرًا بيننا، ولم أكن أسألها عن إخوتها، بل عن اهتماماتها وماذا تقرأ وماذا تحب.. فقصت علىَّ قصة الحوت، وقالت، إن الناس يشبهون بقية المخلوقات الأضعف منهم.. وأن الشعور بالوحدة شعور قاتل.. وأن من ليس له إخوة ولا أخوات مثلها لا يختلف حاله كثيرًا عن حال الحوت.

    سألتها عن الأصدقاء لعلنا نخرج من موضوع الإخوة والأخوات، فأجابت أن لها صديقات وتحبهن كثيرًا، ولكنهن لسن معها فى البيت، ولا فى حجرة النوم، ولا فى المصيف مثلا.. كما أنهن كلهن لديهن إخوة أو أخوات.. وكأنها خصوصية مختلفة لا تتميز هى بها.. وكأنهن أوفر منها حظًا لأن لكل واحدة إخوة وصديقات أما هى فكل ما تستطيع هو أن تكون صديقة!!

    عدت بها إلى الحوت وسألتها، هل تعتقدين أن اختلاف الموجات الصوتية لأنثى الحوت هو سبب وحدتها؟ قالت بذكاء: طبعًا أكيد.. وهذا أيضًا، موجود بين البشر، فنحن لا نعقد صداقات مع أى انسان يختلف عنا ولو فى ملامح قليلة.. لا نصادق من لا يشبهنا ماديًا، أو اجتماعيًا، أو من هو أقل منا دراسيًا أو حتى جسديًا.. فعندنا بنت كبيرة الحجم وبدينة لا تصاحبها الفتيات أبدًا.. ولكننى أتعامل معها بشكل عادى لأننى أراها مثلى.. وحيدة!!

    وفشلت محاولاتى فى إلهائها عن وحدتها والحديث عن تلك الوحدة.. ويبدو أن حالة الفتاة الذكية الوحيدة صارت متكررة بشكل أكبر من ذى قبل فى مجتمعنا.. إذ إن كثيرًا من الآباء والأمهات يفضلون الاكتفاء بابن واحد أو ابنة واحدة ليوفروا لهذا الوحيد كل ما يستطيعون من مستوى أفضل فى التعليم، والحياة، والاهتمام والتربية.. والمؤكد أنها فكرة خاطئة تمامًا.

    يحتاج كل منا إلى علاقة الأخوَّة بشكلٍ خاص ففيها الرفقة، والسند وخصوصية الدم الواحد والأسرة الواحدة.. ومنها يتعلم الطفل التواصل الصحى مع من هو قريب منه فى العمر، ويفهم أنه ليس وحده محور الاهتمام فى الأسرة فيتعلم فى الأخوة المحبة، والإيثار والمسؤولية، وكل معانى الصحبة والرفقة طويلة الأمد.. ويتكيف ويتعايش ويغضب ويتشاجر ويحنو ويضحك ويتفاعل ويتزن بأخيه أو أخته.

    ولمَّا كنت أفكر فى كل تلك الأمور، وأنا صامتة لفترة، قاطعتنى كلمات الفتاة الوحيدة.. قالت لى: ربما لو كان لأنثى الحوت أخت أو أخ لكان لهم كلهم موجات صوتية واحدة يفهمون بعضهم البعض بها ويغنون ويتواصلون، ولا تبقى أنثى الحوت وحيدة.. استسلمت، وقلت لها: طبعًا أكيد.. معكِ كل الحق.

    إيرينى ثابت
    للأعلى