وجهة نظر

على خط النار

2018-07-12 11:11:06 |
  • محمود بسيونى
  • محمود بسيونى

    الكتابة مهنة الأشغال الشاقة، الأصل فيها المعلومة، والمتغير فيها الرأى والتحليل.

    صعوبتها تأتى حينما تقرر أن تقول الحقيقة منزهًا عن الهوى ولا تحاول التدليس على الناس، تعطى ظهرك للشهرة التى تأتى من وراء الكتابة على هوى بعض رجال السياسة أو الاقتصاد أو النشطاء، أو تدغدغ مشاعر الجماهير بخطبة حماسية ضد الحكومة.

    قليلون من يريدون الفهم، كثيرون من يسيرون مع الموجة، هنا تصبح الكتابة الكاشفة للحقيقة، والصادمة للناس، والناقدة لتصرفاتهم أشبه بالسير فى حقل ألغام.. الكتابة على خط النار.

    "قصور" و"تكاتك" الطريق الزراعى

    الأزمة السكانية هى "أم الأزمات" فى مصر، هى صانعة العشوائية والقبح، وهى من فرضت على المصريين ثقافة الزحام، وما تحتويها مظاهر التحرش وانعدام الذوق العام، "أنا ومن بعدى الطوفان" أسلوب حياة، والمثال الصارخ على ذلك تحول الأرض الزراعية إلى مبانٍ، وترك الفلاح والعامل لمهنتهما، والاتجاه لقيادة "التوكتوك" بحثًا عن ربح مريح فى مهنة لا تفرض قيودًا ولا تعرف المواعيد.

    من غير المتصور أن دولة تعدادها 100 مليون، ينتظر أن يصلوا إلى ضعف الرقم بعد 20 عامًا، تتضاءل فيها الأرض الزراعية بهذا الحجم، وتلجأ لاستيراد سلعها الضرورية من الخارج، وهو ما يضغط على عملتها المحلية لصالح العملات الأجنبية، وهو ما يعنى البقاء تحت سيف الديون المتراكمة لسنوات وسنوات من أجل توفير الطعام لشعب لا يأكل من زرعه ويبنى على أرضه الزراعية، ثم ترك زراعته وصناعته من أجل مكسب مريح على "توكتوك"، وهو لا يدرى أن ثمن راحته سيدفعه مضاعفًا حينما ترتفع أسعار السلع وتزداد الديون إلى أن ينهار الاقتصاد، طالما الشعب لا يزرع ولا ينتج، وكل فرد يفكر فى نفسه فقط، فكيف تخرج الدولة من دائرة العوز؟

    قادتنى الظروف إلى السفر على الطريق الزراعى بين بورسعيد وطنطا، وشعرت بارتباك شديد لكمية القصور والمبانى الفاخرة المقامة على الأرضى الزراعية، والتى تشير إلى تغير كبير يحدث فى الريف المصرى، وتجعلك تتساءل هل ما نسمعه عن نسب الفقر فى مصر صحيح؟ وإذا كان صحيحًا، كيف تحولت المبانى الطينية إلى عمارات تعلوها قباب فاخرة؟ فى وقت اختفت فيه فرص العمل فى العراق وليبيا؟

    المسألة تحتاج إلى دراسة عميقة للريف المصرى، للإجابة على كيفية الحفاظ على ما تبقى من الدلتا، والبحث عن سبل لوقف هروب العمالة من الأرض والمصنع إلى "التكاتك" حفاظًا على مستقبلنا جميعًا.

    ضباط مكتب الإرشاد

    كان يوم إعلان تولى الجاسوس الإخوانى محمد مرسى رئاسة مصر من الأيام السوداء فى حياتى، كنت أرى الهوية المصرية مهدده، ثم جاء إعلان ظهور ضباط ملتحين ينتمون لهذا التيار، لتدق كل أجراس الإنذار فى رأسى، مصر تعود للاحتلال، ويتحكم فيها تنظيم دولى، ومرشد يرى الماليزى أحق بحكم مصر من المصرى، ومخبول فى اسطنبول يحلم بعودة الخلافة، وكان الأمل معقودًا على الجيش الذى حرر مصر فى 23 يوليو ليعود الحكم للمصريين بعد عقود طويلة من الاحتلال وحكم الأجانب، فهو حارس الهوية المصرية على مر العصور، المحافظ على السلم الأهلى والمدافع عن أرض ومصالح مصر، لقد كان وصول الأخونة إلى الجيش والشرطة تعنى أن الإرهاب يتحول من مرتزقة إلى جيش نظامى، وأن مصر انتهت وإلى الأبد.

    لم يكن هؤلاء ضباطًا، الضابط المصرى لا ينحاز سوى لوطنه، ولا يتلقى أوامرًا من مكتب إرشاد عصابة إرهابية، رجل الشرطة منفذًا للقانون وليس رجلاً سياسًا، لا يجوز أن ينتمى أو يعبّر عن تيار ولا ينبغى أن تصدر عنه أى تصرفات تعبّر عن انحيازات فكرية وطائفية، ولعل وجههم القبيح اتضح جليًا فى تحقيقات النيابة العسكرية فى محاولة اغتيال الرئيس عبد الفتاح السيسى، والمتهم فيها أحد هؤلاء الضباط، ويدعى محمد السيد الباكوتشى، الذى أسس خلية إرهابية لهذا الغرض عقب نجاح ثورة المصريين فى 30 يونيو.

    من أياد 30 يونيو البيضاء علينا أنها أنهت سرطان الأخونة الذى كان ينهش المجتمع المصرى ومؤسساته، وأماطت اللثام عن وجه تلك الجماعة القبيح، وأنهت أى دور سياسى لها فى رسم مستقبل مصر، وبدأت بعض الدول فى تصنيف تلك الجماعة كجماعة إرهابية، فضلاً عن أنها أكدت للشعب المصرى أن تلك العصابة تعبث بالدين وتستخدمه لخدمة دويلة تسعى للسيطرة على ثروات مصر، ودولة أخرى تسعى لاحتلالها باسم الخلافة، كما تحتل مناطق فى سوريا والعراق.

    30 يونيو كانت ثورة هوية على حكم عصابة إرهابية تسعى بكل الطرق منذ ظهورها إلى طمس تلك الهوية، وتقييد حركة المصريين بسلاسل تنتمى للماضى، ولا يمكن أن تكون جزء من المستقبل.

    تحرير أسعار الوقود

    إذا كنت تنتظر من السطور القادمة كلمات غاضبة ضد تحرير أسعار الوقود، أنصحك ألا تكمل القراءة، سأصدمك بأننى من مؤيدى ذلك القرار الصعب لأنه من أهم خطوات الإصلاح الاقتصادى، دعك ممن يزايدون أو يصطادون فى الماء العكر، فهؤلاء مصلحتهم فى بقاء مصر ضعيفة، لا يريدون لمصر أى تقدم، لكن هذا لا يعنى أننى غير مُقدر لِمن يتألمون فى نبل، أو لم أشعر بارتفاع أسعار السلع كباقى الناس، فكل التحليلات الاقتصادية الدولية تؤكد سلامة القرار الصعب والشجاع، وتؤكد أن الأوضاع ستتحسن سريعًا مع الاكتشافات البترولية الجديدة، كما أسهم فى تحسين موقع مصر الاقتصادى عالميًا، وعزز من قدرتها التنافسية، بالمقارنة بباقى دول شمال إفريقيا التى تسير على نفس الطريق، بل وسبقتها مصر بخطوتها السريعة، ووضعت لنفسها مقعدًا فى الصفوف الأمامية للدول المستعدة للاستثمارات، بالإضافة إلى تعزيز سياسة اقتصاد السوق الحر والسوق المفتوحة، والذى بدوره يعمل على زيادة جذب الاستثمارات الأجنبية، وبالتالى تزداد حركة رأس المال، ما يرفع من قوة الاقتصاد الوطنى، وبالتالى ينعكس ذلك إيجابًا على أفراد الشعب على المدى القريب.

    فى الحالة المصرية، يوفر ذلك القرار للحكومة فرصة تحويل الأموال التى كانت تنفق من الموازنة العامة على دعم الوقود الذى لم يكن يصل إلى المستحقين فى قطاعات التعليم، والصحة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة من جانب الدولة للمواطن، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للمواطنين الأقل دخلاً.

    تلك الخطوة على صعوبتها السياسة وتأثيرها المباشر على شعبية أى حكومة، تظل هى الأشجع والأهم فى مسيرة أى دولة تستعد للنهوض والبناء والتقدم.

    محمود بسيونى
    إقرأ أيضاً
    مكملين والشرق.. جريمة البث المسموم 2018-12-10 21:53:27 الإيد الشقيانة فى الاتحادية 2018-11-30 11:38:20 رد اعتبار الشيخ على عبدالرازق 2018-11-22 19:41:01 نعم للتنمية لا للمنظمات المسيَّسة 2018-11-15 16:45:05 مصر.. بداية الحلم 2018-11-07 12:49:36 كشف حساب منتدى شباب العالم 2018-10-31 08:53:23 مصر والسعودية.. لن ترونا إلا معًا 2018-10-28 14:35:30 تنمية إفريقية بسواعد مصرية 2018-10-24 13:50:07 أى أمانٍ فى عالم مضطرب 2018-10-17 13:24:29 المذلول رقم 1 2018-10-08 17:01:17 أكتوبر.. الانتصار المتجدد 2018-10-03 15:24:00 بطل 30 يونيو فى مهمة لإنقاذ العالم 2018-09-27 13:53:24 قصاصات جنيف 2018-09-19 14:23:42 مستقبلك الذى لن تراه فى هاشتاج 2018-09-01 17:41:01 أردوغان يبيع الإخوان فى سوق النخاسة 2018-08-14 17:12:26 أخونة التيار الناصرى 2018-08-07 17:17:42 مؤتمرات الشباب.. سلاح الردع 2018-07-30 20:11:36 الاستثمار فى البشر 2018-07-26 13:55:42 تحيا مصر والسودان 2018-07-19 15:38:26 مفاجآت الحكومة الجديدة 2018-06-14 16:34:36 طريق الآلام بدأ من الدوحة 2018-06-07 17:20:14 رصاص بلا دوى 2018-05-31 12:33:56 فى انتظار معارضة متطورة 2018-05-21 16:11:10 الشيطان يسكن أكاديميات تنمية المهارات 2018-05-09 16:58:59
    للأعلى