وجهة نظر

المرأة فى فكر الجماعات الإسلامية المتشددة

2018-07-11 09:54:16 |
  • د.محمد فياض
  • دكتور محمد فياض

    فى عالم الجماعات الإسلامية المتشددة يكون هناك دائمًا جانبًا مكبوتًا يدور فى فلك الجنس والفتاوى الجنسية والحور العين، فمعظم أحاديثهم لا تخلوا أبدًا من كلمات مثل "النكاح، الحرث، الحيض، الرفث، اللمس، الغائط، الجماع، إرضاع الكبير".

    إن هذه الجماعات فى حقيقة الأمر مستغرقة فى التفكير بكل ما هو سفلى فى الجسد، أشد ما يغريهم فى الجنة الحور العين، وما هو العدد الذى سيكون متاحًا للفرد الواحد منهم، ورغم مظاهر الفضيلة والتقوى الزائدة والزائفة، إلا أن أتباع هذه الجماعات فى حقيقة الأمر دائمًا وأبدًا أسرى لهذه الأفكار المحرمة التى تسكنهم حتى النخاع.

    إن المرأة فى فكر هذه الجماعات كائن ناقص حائض يجلب الشيطان، فعلى سبيل المثال كان المنطلق الذى فرق به حسن البنا بين الرجل والمرأة هو تكوين المرأة الجسمانى المختلف عن الرجل، بل تحدث عن علاقة الرجل بالمرأة بأنها بالإضافة إلى كونها علاقة متعة فإنها أيضًا لحفظ النوع، وهو نفس الطرح الذى قال به سيد قطب بأنها شريكة فى العمل الجنسى لإنتاج النسل أو حسبما عبر أحد الباحثين أنها مجرد كان بيولوجى يشارك فى العملية الجنسية دون عاطفة لإنتاج النسل ورعايته.

    ومن المثير للدهشة أن المرأة التى شكلت حجر الزاوية فى قوة وممارسات الإخوان يُنظر إليها دائمًا نظرة منقوصة، تلك النظرة التى بدأت منذ أيام حسن البنا، فها هو يقول فى رسالة المرأة المسلمة أن المرأة ليست فى حاجة للتبحر فى اللغات المختلفة، وليست فى حاجة إلى الدراسات الفنية الخاصة، وأنها للمنزل أولًا وأخيرًا، وليست المرأة فى حاجة إلى التبحر فى دراسة الحقوق والقوانين، ووظيفتها التى خلقها الله لها تدبير المنزل ورعاية الطفل، بل وطالب بضرورة إعادة النظر فى مناهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج الصبيان فى كثير من مراحل التعليم، وهى نفس الأفكار التى دعى لها سيد قطب بعد ذلك.

    وفى ذات السياق فإن تلك النظرة الحبلى بالكبت والتفسير الجنسى لكل مناحى الحياة قد تجلت أيضًا فى الرؤية الاجتماعية لحسن البنا، فالاختلاط حتى لو كان فى مجال العمل أمر يعمل على إشعال الشهوة، ويقرر أحكامًا عامة منها أن المرأة التى تخالط الرجال تتفنن فى إبداء ضروب زينتها ولا يرضيها إلا أن تثير فى نفوسهم الإعجاب بها، فى سياق لا يخرج عن تلك الرؤية المتوجسة والغارقة فى تفسيرات محض جنسية بعيدة تمام البعد عن أصالة واحترام مجتمعنا.

    ومن الغريب أن هذه التعليمات التى تبدو وكأنها ضاربة فى الفضيلة لم تستطيع أن تمنع فضيحة كبرى فى تاريخ الجماعة قام بها أحد أبرز أعضاء الجماعة وهو عبد الحكيم عابدين زوج أخت حسن البنا أو الذى اشتهر باسم راسبوتين الجماعة، فالرجل كانت له مكانة عظيمة فى الجماعة تأتت من فضيلته وتقواه وكونه من أوائل الذين بايعوا حسن البنا، فضلًا على أنه كان أشد المتظاهرين بالتدين والالتزام كل هذه المؤهلات التى أهلته ليكون المسؤول عن نظام التزاور والأسر، هذا النظام الذى أوصى حسن البنا بدعمه بل وبضرورة أن يبيت الإخوان مع بعضهم كل أسبوع أو أسبوعين كشكل من أشكال تقوية أواصر الجماعة.

    على أية حال فإن عابدين ذلك التقى الورع المتدين قد تورط فى فضائح جنسية مع بعض نساء الجماعة، وقد بدأت أخبار الفضاح تنتشر ووصل الأمر لأن تقدم أربعة رجال بشكوى للمرشد العام حسن البنا يتهمون فيها صهره بأعمال مشينة وممارسات غير أخلاقية وصفت من قبل بعض عناصر الإخوان نفسهم بأنها ممارسات يعف اللسان عن ذكرها ويشيب لها الولدان، وبعد أن أُجريت تحقيقات مطولة كان القرار بفصل عابدين، وهنا ظهرت تساؤلات من بعض المنتمين للجماعة آنذاك عن مدى نقاء هؤلاء القادة الإسلاميين، فى لحظة نادرة مارس فيها بعض أعضاء الجماعة فعل النقد والتفكير مما ترتب على ذلك خروج العديد من هذه العناصر من الجماعة.

    وهكذا ومما سبق نرى أن الأفكار المثالية والتظاهر بالفضيلة لم يستطيع أن يحافظ على تاريخ الإخوان نظيفاً من هذه الممارسات على أعلى المستويات، ولم تنقطع تلك النظرة الأسيرة بالعقد الجنسية ففى محافل سياسية عدة كانت العقدة الجنسية القديمة تطل برأسها فعلى سبيل المثال قام أحد نواب الإخوان فى برلمان 2005 بتقديم سؤال عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء بصفته وزير شؤون الأزهر حول فتوى تحريم ختان الإناث، مؤكدًا أن ختان الإناث كان موجودًا فى عهد الرسول وأنه يعف المرأة من الإنزلاق فى هاوية الخطيئة، كما كانت السنة البائسة التى حكم فيها الإخوان كرنفالًا لمناقشة بعض الأمور مثل زواج القصر وختان الإناث، بل إن برلمان ما بعد 25 يناير ذو النكهة الإسلامية قد خصص جلسات مطولة لمناقشة منع المواقع الإباحية، ورغم إقرارنا بمدى فظاعة هذه المواقع وخطورتها على المجتمع إلا أن أولويات البرلمان قد تكون بعيدة تمامًا عن مثل هذه الإشكاليات.

    وفى نفس ذلك المنحى فإن أصحاب الفتوى المعتبرين لدى هذه الجماعات لم يخرجوا أيضًا من سجن العقد الجنسية فيوسف القرضاوى على سبيل المثال يعد أحد أبرز الذين تخصصوا فى الفتاوى الجنسية بل قل الإباحية، ففتاواه على الهواء كانت تمتد لأشد الأمور خصوصية، وأكثر الممارسات شذوذًا، فأدلى بدلوه فى كل ما يتعلق بالعملية الجنسية، حتى أن نسبة مشاهدة بعض حلقاته على اليوتيوب كانت بمثابة مليونيات حقيقية لما ورد فيها من تفاصيل جنسية قد لا تخطر على بال أكثر المهتمين بالأمر.

    على أية حال فقد كان التفكير فى الجنس مرتبطًا دائمًا وأبدًا فى فكر العديد من الجماعات الإسلامية حتى أن الشيعة أيضًا قد دخلوا منذ القدم فى لعبة الاستقطاب الجنسية هذه من خلال زواج المتعة، فإذا طرحنا سؤالًا يقول لماذا يتزوج الشيعى زواج المتعة؟ ببساطة ليس لدينا سوى إجابة واحدة وهى الجنس، فإذا كان لدينا مذهبا يشبع رغبات متبعيه ألا يعد ذلك استقطابًا، أليس الجنس الذى لا يتطلب زواجًا طويل الأمد ولا إجراءات طويلة ولا أعباء مالية ولا مجتمعية، هو بند اجتماعى يستقطب كثيرين، لذا فحسب تحليلنا أن زواج المتعة ليس إلا محض استقطاب مجتمعى لعناصر التشيع، بل وهى ملائمة أكثر لهؤلاء الفقراء والمهمشين الذين يريدون إشباع رغبات قد لا يملكون كلفتها وهى أمور كفيلة باصطفاف الكثير من المحرومين وتشيعهم لأجل هذا الغرض.

    وفى سياق متصل فإن خلافة داعش الإجرامية والتى حاولت إحياء فكرة الخلافة لتعيش فقط فى أساطير ألف ليلة وليلة وفى شبق بلاط الخلافة تعتبر تجسيدًا حقيقيًا لمثل هذا الطرح فأكثر ما تطالعنا به أخبار داعش بعد جز الرؤوس هو الحديث عن كتائب النساء وكتائب الخنساء التى تحوى آلاف النساء الجاهزين لهؤلاء الإرهابيين الذى يسيل الزبد من أفواههم ، ونكاح الجهاد فيا كل محروم تعال وانضم إلى صفوفنا تعال وانعم بالمتع المحرمة تحت راية الخلافة، وتحت شرعية نكاح الجهاد وملك اليمين، وكأننا أمام جنة مثل الجنة التى أوجدها "الحسن الصباح" لأتباعه الحشاشين فى العصور الوسطى وربما نستطيع بذلك حلحلة بعض متاهات الشخصية المتطرفة المكبوتة.

    صفوة القول فإن هذه العناصر المكبوتة تنمو لديها اندفاعات جنسية غير طبيعية مثل الميول السادية، ويحل محل الكيان الحر الجرىء الطاعة والتأثر الشديدين، كما أن الكبت الجنسى وحسب طروحات علم النفس يقتل روح التمرد فى الفرد، ويخضعه لإرادة سيطرة أعلى، وهو ما يتوائم جدا مع هذه الشخصيات المنصهرة فى فكر الجماعة إذ تنتج نمط ضعيف القدرة على التساؤل الحر والتفكير المستقل، كما أن هذا الكبت سيدفع هذه العناصر إلى الانحراف والشذوذ، وإلى تكوين ميول إجرامية وعدوانية واستبدادية.

    محمد فياض
    للأعلى