وجهة نظر

السيد الروسى فى جنوب سوريا

2018-07-10 14:01:18 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تتعجل روسيا تأكيد سيادتها فى سوريا بشكلٍ عام، وفى المنطقة الجنوبية لتخفيف التوتر بشكل خاص، ليس فقط كضامن مستقبلى، بل وكمحرك للأحداث أيضًا.

    نجحت روسيا فى تأسيس أمر واقع، وضع جميع القوى المتورطة فى سوريا أمام خيارات عديدة، أفضلها التصالح مع هذا الأمر الواقع وتخفيض سقف المطالب، والرضاء بما سيتم الاتفاق عليه، سواء فى المنصات السياسية كجنيف، وأستانا، وسوتشى، أو خلال لقاء بوتين وترامب المتوقع فى هلسنكى، على أن تلتزم موسكو بضمان أمن إسرائيل، وبالحد من الوجود الإيرانى فى سوريا.

    لم تتحقق هذه الخطوة دون تفاهمات بين موسكو، وتل أبيب، وواشنطن من جهة، ودون ضغط عسكرى روسى أكد أن موسكو لا تنوى التخلى لا عن مصالحها ولا عن بشار الأسد، الذى يمثل الضمانة الوحيدة لوجودها فى سوريا.

    وهو الأمر الذى راهن عليه الأسد منذ البداية. ويبدو أنه نجح، إلى الآن، فى الحفاظ على وضعه، إلى أن يتم التوافق بين روسيا وبعض القوى الأخرى على صيغة معينة لإخراجه من المعادلة منتصرًا وبشكل طبيعى للغاية. وهذا لا يعنى أن روسيا ستبتعد عن سوريا بعد رحيل الأسد منتصرًا، بل سيكون لها شروط فى السلطة المقبلة فى دمشق.

    لن يحدث ذلك على المدى القريب، لأن روسيا وبقية الأطراف بحاجة إلى أمر واقع موازٍ للتعامل مع الطرف الإيرانى الذى يرى أنه الخاسر الوحيد فى كل المعادلات والصيغ. ومن الواضح أن هذا الأمر الواقع الموازى لن يتحقق دون قيام روسيا بالدور الرئيس.

    بمعنى أن روسيا منوطة بتشكيل هذا الوضع الجديد الموازى، وهى بالفعل تقوم بذلك، لتقليص مساحة الوجود الإيرانى فى سوريا. وهو الأمر الذى يجعل الأسد أكثر مرونة واستعدادًا لتقبل السيناريوهات المقبلة. أما دور الغرب فى تأسيس هذا الوضع، فيتوزَّع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى. فالأولى تفرض عقوبات وحصارًا على إيران من جهة، والثانى يتكفل بالمناورات السياسية والمساومات، سواء إزاء العقوبات وإمكانية تخفيفها أو بالضغط على إيران من أجل الالتزام بالاتفاق النووى الذى انسحبت منه الولايات المتحدة.

    لن تتوصل قمة بوتين - ترامب إلى أى حلول فى أى ملف أو أزمة، وعلى رأسها الأزمة السورية. ولكن القمة بحد ذاتها ستفتح الطرق والقنوات للخبراء والدبلوماسيين لوضع النقاط على الحروف وطرح المبادرات والأفكار. وهذا لا يعنى إطلاقا توقف روسيا عن العمليات القتالية فى سوريا، أو توقف إسرائيل عن قصف الأراضى السورية. ولا يعنى أيضا انسحاب التحالف الدولى من سوريا، والعراق أو توقفه عن عملياته فى سوريا. فكل النشاطات العسكرية لهذه الأطراف تُشَكِّل أدوات ضغط لخروج كل طرف بأكبر قدر من المكاسب.

    روسيا نجحت ليس فقط فى سوريا، بل فى تأكيد مواقعها فى المنطقة، وفرض نفوذها كلاعب رئيس قادر على تحريك الأحداث، وطرح المبادرات. ولا شك أن هذه الخطوات المهمة كلَّفَت روسيا الكثير، وستكلفها الكثير أيضًا فى المستقبل. وقد تكلفها خسائر فى علاقاتها بحلفائها، وعلى رأسهم إيران التى لم يعد أمامها أى مخرج من العقوبات والحصار والضغوط إلا إطلاق التصريحات النارية والتهديدات العسكرية والأمنية. وليس من المستبعد أن تكون طهران تفكر الآن فى بعض الصيغ بعيدا عن روسيا التى يعتبرها بعض الأجنحة فى إيران قد خانت إيران وتخلت عنها.

    روسيا أصبحت تتحكم بدرجات كبيرة فى المشهدين السورى والشرق أوسطى. ومن غير المستبعد أن تنجح تمامًا فى فرض سيادتها على جنوب سوريا من خلال طرح نفسها كضامن، وهو الأمر الذى يوفر لبشار الأسد موقعًا جديدًا متقدمًا، لأنه فى حال توافقت موسكو، وواشنطن، وتل أبيب على وضع "الضامن الروسى" بإبعاد إيران، ونشر قوات تابعة لبشار الأسد فى الجنوب السورى، سيتضح أن الأسد شريك مهم لروسيا والولايات المتحدة فى الحفاظ على أمن إسرائيل.

    وبالتالى، سيصبح الأسد شريكًا فى الخطوات اللاحقة، حتى وإن كان ذلك من خلال روسيا، فى تحقيق مشروعات تتعلق بالملف الفلسطينى وبشكل المنطقة التى تشهد، وستشهد، تحولات تاريخية.. ومن الصعب إبعاد روسيا أو تجاهلها فى تلك التحولات بعد أن ضَحَّت بالكثير فى سوريا، وقدَّمت الكثير لإسرائيل، وكافحت الإرهاب، بالضبط مثلما كافحته الولايات المتحدة، وتحالفها الدولى.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى