وجهة نظر

الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات

2018-07-03 16:10:34 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تدور الآلة الإعلامية العالمية بقوة، حاليًا، حول لقاء القمة بين الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين والأمريكى دونالد ترامب.

    وإذا صَحَّت التوقعات المتفائلة، فإننا هنا نركز على موقف مصر من الأزمة السورية منذ اندلاعها والإدارة السياسية والدبلوماسية للمواقف حول سوريا من ناحية، والعلاقات مع القوى الكبرى والإقليمية المتورطة فى الأزمة السورية من ناحية أخرى.

    لقد نجحت القاهرة فى إدارة مواقفها بحنكة ودأب من دون التورط العسكرى أو التدخل فى الشأن السورى الداخلى، بل وأصبح لديها منصة سياسية سورية للمعارضة من جهة، ولم تتخل عن مبدأ وحدة أراضى سوريا من جهة أخرى، هذا الموقف الشامل والمتناسق سياسيًا ودبلوماسيًا جعل القاهرة تفوز بمركز متقدم إزاء كل المناورات التى تجريها القوى الكبرى والإقليمية فى سوريا وحولها، الأمر الذى يوفر لمصر دورًا مهمًا فى تحديد مستقبل سوريا، ومشاركة ملموسة فى إعادة بنائها ومواصلة العلاقات التاريخية بين الشعبين، وكذلك دور مستقبلى فى المنطقة مع عدم تكبد خسائر فى العلاقات مع هذا الطرف أو ذاك.

    الأمر الآخر والمهم، أن القاهرة لم تتورط، ولم تمارس أى تحركات صبيانية أو حملات دعائية رخيصة فى الأزمة السورية، كون مصر ترتكز إلى مبدأ عدم التوسع، والالتزام بالدفاع عن نفسها وعن حدودها المباشرة وحماية مصالحها بالطرق غير التوسعية وغير العسكرية، وكان المسار الطبيعى هو تنوع العلاقات مع كافة القوى المتورطة فى الأزمة السورية، وعدم الوقوع فى فخ التصعيد و"السخونة"، هذا إضافة إلى تنوع علاقات المصالح بين القاهرة والعواصم الأخرى، والتعامل بدقة فى المحافل السياسية والدبلوماسية.

    روسيا والولايات المتحدة تنسقان فى الوقت الراهن للقاء قمة يجمع بين زعيميهما، ما يعنى أن الأمور قد تدخل إلى حيز المرونة والحلحلة على المدى المتوسط، وكل من الطرفين بدأ يهدِّئ من لهجته تجاه الآخر، معولًا على قمة هادئة تتناول الشأن الدولى ومصالح العالم، وهذا لا يعنى أبدًا أن الأزمتين السورية والأوكرانية ستحلان قريبًا، لكن المقصود هو التمهيد لتطبيع الأمور، أملا فى تحركات أوسع وأكثر مسؤولية.

    بالتالى، غادر سوريا 1140 جنديًا روسيًا، بالإضافة إلى 13 طائرة و 14 مروحية فى 28 يونيو الحالى بأوامر مباشرة من الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، ولكن أستاذ العلوم السياسية فى معهد موسكو الحكومى للعلاقات الدولية ميخائيل ألكساندروف قال: "يصعب القول كم بقى من طائراتنا وعسكريينا فى سوريا. فنحن نقوم تارة بسحب بعض قواتنا من هذه الدولة، ونرسل تارة أخرى غيرهم إلى هناك. وهذا يعود إلى حد كبير ليس فقط إلى الوضع العسكرى، وإنما السياسى أيضًا. والانسحاب الحالى للقوات، هو تناوب مخطط له من جهة، ولعبة سياسية من جهة أخرى. سيلتقى الرئيس بوتين مع ترامب، والآن لديه فرصة ليقول له: نحن نخفض وجودنا العسكرى فى سوريا، فاسحبوا قواتكم أيضا من هناك".

    كل ذلك لا يعنى أبدًا أن الرئيس بوتين سيتخلى عن بشار الأسد، فإذا كان قرار سحب جزء من القوات الروسية يبدو هكذا، فإن هذا تصور خاطئ للغاية، وفق الخبراء الروس، لأن ما بذلته موسكو فى سوريا عسكريًا وسياسيًا وماديًا أكبر من أن تغادر ببساطة، حتى إذا تحسنت العلاقات مع الولايات المتحدة، إذ أنه "لا يمكن الوثوق بالأمريكيين كشركاء. تاريخ العلاقات الروسية الأمريكية برمته يشهد على ذلك، وبالتالى، فإن الانسحاب الحالى للقوات الروسية أقرب إلى مناورة تكتيكية"، على حد قول البروفيسور ميخائيل ألكساندروف، الذى يرى إمكانية إعادة نشر وتعزيز القوات الروسية فى سوريا فى أى وقت وتحت أى ظروف، ويرى أيضًا أن الأمر "يعتمد على سلوك الولايات المتحدة. وعلى الأرجح، سنقوم بتعزيز وحداتنا بشكل سرى، من دون الإعلان عن ذلك. فالاتحاد السوفييتى فعل ذلك خلال حربى فيتنام وكوريا. وعمل هناك رجال الصواريخ والمستشارون بنشاط، لكن قلة من كان يعرف ذلك. أعتقد أن الأمر فى سوريا سيكون هكذا بالضبط".


    بالعودة إلى الموقف المصرى، وفى ضوء التحولات البطيئة والمأمولة، نتأكد أن إدارة القاهرة لمواقفها السياسية والدبلوماسية تتسم بطابع برجماتى ودقيق من حيث صيانة مصالحها الإقليمية والدولية، وعدم الوقوع فى أفخاخ تبدد طاقاتها أو تجعلها هدفًا مثيرًا للشكوك، حتى وإن اتخذت مواقف تغضب البعض مؤقتًا أو تخالف توقعاتهم، ففى نهاية المطاف تظهر صحة هذه المواقف، سواء إزاء هذه الأزمة أو تلك، أو بالنسبة لمصالح القاهرة على المديين المتوسط والبعيد. هذه المسارات وطرق إدارة الأزمات يحبط الكثير من محاولات تقزيم الدور المصرى، ويعيد زمام المبادرة، أو المبادرات، إلى يد مصر، ويجعل القاهرة تحافظ على نمطها السياسى والدبلوماسى فى تنويع العلاقات والحفاظ على مصالحها والعمل على تحقيق المزيد منها.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى