وجهة نظر

فى حفلة عمر خيرت لم يحضر أحد من الدواعش

2018-06-23 08:46:49 |
  • د.محمد فياض
  • دكتور محمد فياض

    فى ليلة ساحرة فى إحدى الحفلات العظيمة كانت أنامل العملاق عمر خيرت تتراقص على قلوب ووجدان مئات المستمعين وكنت أحد هؤلاء.

    كانت الفرقة الموسيقية التى تضم قامات موسيقية تعزف بحب وتفاهم يصدرون أنغاماً تزلزل وجدانك، كانت عازفة الهارب الأولى فى مصر د.منال محيى الدين تطير على قيثارتها كملاك تحلق بجمهورها إلى السماء.

    وعندما عزف الفنان أغنية "فيها حاجة حلوة" وردد جميع الحاضرين كلمات الأغنية، لم أستطيع أن أحبس دموعى التى آمنت حتى النخاع بكل الحاجات الحلوة اللى فيها.

    وهنا تساءلت هل من الممكن أن يكون فى هؤلاء الحاضرين داعشياً أو إخوانياً؟

    هل من الممكن أن يصطحب أى من عناصر الإخوان أحد من أبنائه ليستمع الى موسيقى عمر خيرت؟

    هل يؤمنون أصلاً بأن فيها حاجة حلوة؟

    لنرى كيف أصلت الفتاوى المتشددة لحالة العداء مع الموسيقى والغناء..

    فتاوى شاذة وقديمة رسخت حالة من العداء للموسيقى مثل "المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس"، وأن من اعتاد سماع الغناء واغتذى به لا يحن لسماع القرآن، ولا يفرح به ولا يجد فى سماع الآيات كما يجد فى سماع الأبيات بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لهية وألسن لاغية، وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب".

    وكذلك "فإن الموسيقى رقية الزنا، وشرك الشيطان، وخمرة العقول، ويصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه" ، حتى أن أحد هؤلاء الفقهاء وحسب فتاوى أخرى "أنها من أنواع البلاء، وأن الآلات الموسيقية كلها حرام على إختلاف أشكالها وأنواعها، وأن عقاب بعضهم فى آخر الدنيا أن يمسخوا قردة وخنازير".

    و"أنها شكل من أشكال التأسى باليهود وأشباههم وأنها خصلة دنيئة من من سفاسف الأخلاق وسيىء الأعمال، بل من الأمراض المخدرة للشعوب والسالبة لحريتها والصارفة لها عن معالى الأمور ومكارم الأخلاق وعن النشاط فى ميادين الإصلاح الى ضد ذلك، وينهى بقولة أن الغناء هو قرآن الشيطان وزماره، ورقية الزنا واللواط، والجالب لأنواع الشر والفساد"، ومن المثير للسخرية أن المتأسلمين قد هاجموا كثيراً وضع الموسيقى كخلفية للأحاديث النبوية فى الإذاعة والتلفزيون.

    بهذا النوع من الفتاوى شب التأسلمون على كره الفن والإبداع والجمال.

    أما داعش تتار العصر فلم يكن غريباً أن يحرم الدواعش تدريس الموسيقى والأدب فى المدارس الواقعة تحت سيطرتها، فقد قام دواعش ليبيا بحرق الآلات الموسيقية لأنها ليست إسلامية، وقد أعلنوا أن رجال الحسبة يقومون بإتلاف المعازف وحرق الآلات الموسيقية فى درنة، كما قامت داعش سوريا بتحريم الموسيقى وأقروا عقوبة الجلد لمن يتعامل مع الآلات الموسيقية، كما قاموا بتحطيم كل الآلات الموسيقية الموجودة فضلاً عن عمليات المداهمة والتفتيش عن تلك الآلات بإعتبارها من أشد المنكرات، وهو نفس النهج الذى سارت عليه داعش العراق عندما قامت بإلغاء كلية الفنون الجميلة وألغت مواد الرواية والمسرحية.

    أما المقطوعات الموسيقية المفضلة للدواعش فهى أناشيد الموت التى تُغنى كخلفية لعميات الذبح والحرق والتدمير مثل.. "قريباً قريباً ترون العجب صراعاً رهيباً وسوف ترى.. بعقر ديارك تكون المعارك لأجل دمارك حسامى انبرى.. بأشباح ليل وفتيان هول وتفجير ويل لكى يدحرى".

    وعلى الجانب الآخر فكان جلال الدين الرومى أحد كبار المتصوفة فى العالم الإسلامى الذى تلخصت فلسفته فى أنه يرى الله تعالى بالموسيقى، ويصل الى أعلى درجات الروحانية بأنغامها ، فاستخدم الموسيقى والسماع للوصول الى الله بقلبه، أسس طريقة المولوية، ورقصة التنورة فكان الصوفى يدور فى دوائر مستمعاً للموسيقى التى تدغدغ روحه فتسمو وترتقى حتى تصل إلى هدفها المنشود بالخشوع التام والمحبة للذات الآلهية فيندمجون فى مشاعر روحية سامية ترتقى بنفوسهم إلى الصفاء الروحى متخلصين من كل المشاعر النفسانية مستغرقين فى حالة تامة من الوجد محلقين بعيداً عن العالم المادى وصولاً للوجود الآلهى.

    وما بين موسيقى جلال الدين الرومى وعمر خيرت التى تبعث النور وأناشيد داعش القاتلة تكون الإشكالية، إشكالية الظلام الذى قد عشعش فى نفوس هؤلاء المتطرفين، فلفظت قلوبهم كل معنى للحب وإحساس بالجمال.

    أما عن مصر اللى فيها حاجة حلوة فقد رافق تاريخها القومى والنضالى على امتداده الطرب والموسيقى والأغانى الوطنية الجياشة، فى انكساراتها وانتصارتها ، تلك الأغانى التى تدغدغ الشعور وتطهر النفوس وتقهر الإرهاب وتطرد المتطرفين.

    ولأنهم لا يؤمنون لا بالوطن ولا بالفن ولا بالجمال، ولا يدركون أن مصر فيها حاجة حلوة بل هى عندهم مجرد حفنة من التراب العفن.

    وبناء عليه لم يحضر أحد من الدواعش حفلة عمر خيرت.

    عمر خيرت محمد فياض
    إقرأ أيضاً
    المنبر المفخخ 2018-11-08 14:58:56 مشروع الرئيس الفكرى 2018-09-07 12:28:19 أنت مش أنت.. وأنت ياسر برهامى 2018-08-13 09:01:01 فضيحة أن تكون إخوانيًا 2018-07-27 09:31:13 المرأة فى فكر الجماعات الإسلامية المتشددة 2018-07-11 09:54:16 أبناء سامية شنن 2018-06-30 10:25:10 متحف الخراب 2018-06-13 14:51:03 بعض أدوات السيطرة العقلية على أبناء الجماعات المتشددة 2018-05-29 13:42:47 بروتوكولات حكماء إخوان 2018-05-11 12:02:59 عندما صار للمصريين ضهر 2018-04-03 09:51:51 أحلام أحفاد كسرى.. سيكولوجية السياسة الإيرانية 2018-03-12 08:23:48 صليل الصوارم «النسخة الشعبية» 2018-03-06 15:03:43 نساء الغل الإخوانى 2018-02-24 09:13:20 مأساة التدين الشعبى 2018-02-17 18:19:37 الورد اللى فتّح فى جناين فيرمونت 2017-12-11 13:25:16 لماذا يشوه الإخوان جدران الوطن؟ 2017-12-04 11:17:28 بابا خدنى أصلّى معاك 2017-11-26 11:52:38 الشنطة فيها كتاب دين 2017-11-20 08:21:29 متحف الكائنات الإخوانية المنقرضة 2017-11-14 14:36:59 افتكاسات وتحليلات الكائن المثقف العميق 2017-11-06 08:14:44 القرضاوى.. العمامة المفخخة 2017-10-31 09:19:22
    للأعلى