وجهة نظر

ولما نظر عند أرجله

2018-06-21 09:48:29 |
  • إيرينى ثابت
  • شعر الظبى الأحمر بالعطش فذهب ناحية النهر ليشرب، وإذا بصورته تنعكس فى المياه ويبدو جماله وأصالة نشأته وتلك القرون القوية الطويلة المتشابكة التى لم ينكسر فرع منها أبدا، والتى أثنى عليها الظبى بداخله وكأنه يبتسم.

    هذه قصة يونانية قديمة حكاها أشهر أقدم الحكائين اليونانيين واسمه إيسوب "Aesop"، وقطعا لم يكن يشير بالرمز لا لمصر ولا لفريقها القومى لكرة القدم.

    نعود للقصة، ولما انحنى الظبى الأحمر للشرب، نظر إلى أرجله وتساءل فى نفسه: هل تحملنى تلك الأرجل فى الجرى؟ وهل هى قوية بما يكفى؟ ترى هل لى ما للظباء الأخرى من القوة والسرعة والمنافسة؟

    وفى الحال ودون سابق إنذار، سمع الظبى الأحمر حفيفًا وراءه وقبل أن يلتفت ليرى الصياد طار السهم فوق قرونه بمسافة قصيرة فبدأت أرجله تجرى، جرى كثيرًا حتى دخل منطقة كثيفة الأشجار ليختفى من الصياد الذى كان يتبعه بقوة فتية وإرادة لا تقهر، ولما شعر الظبى أنه ابتعد عن الصياد بما يكفى، هدأ سرعته وعادت له أسئلته التى كان يفكر فيها عند النهر، فتوقف قليلا عن الجرى لينظر أرجله ويثنى عليها وعلى قوتها التى جعلته يغلب الصياد، ولما انحنى لينظر أرجله تشابكت قرونه الطويلة الجميلة فى الأشجار الكثيفة ولم يستطيع أن يخلص نفسه من هذه المصيدة التى وضع هو نفسه فيها، باءت محاولات الظبى الأحمر بالفشل فى الدقائق القليلة المتبقية حتى وصول الصياد صاحب الإرادة الحديدية، وصل الصياد واقتاد الظبى الأحمر للهلاك.

    كثرت تفسيرات هذه القصة الرمزية البسيطة، فهناك من يقولون أن خطأ الظبى هو اهتمامه بالشكل دون المضمون، أو اهتمامه بالمظاهر التى لا قيمة لها، وإعجابه بالقرون الطويلة، فى الوقت الذى أهمل فيه الاهتمام بمصادر القوة الحقيقية، ألا وهى أرجله.

    ويرى البعض أن شرود الذهن عن الهدف هو الخطأ الأساسى للظبى، فما كان ينبغى له أن يقف عن الجرى وهو ما زال تحت سهام الصياد ليتعاجب بأرجله ويفتخر بهروبه الجزئى وبانتصار وهمى ظن أنه حققه، وأنه كان يصح أن يكون أكثر حرصا وتركيزا على الهدف الأساسى وهو النجاة بنفسه.

    أما عدم المعرفة فهو ما يرى بعض قراء القصة أنه سبب سقوط الظبى، وخصوصا هؤلاء المخططين الذين لا يؤمنون بالعشوائية ويرون أن النجاح هو نتيجة خطة سليمة، يرى هؤلاء أن الظبى الأحمر لم يدرس الأماكن ولا المسافات ولا ما لديه وما ليس عنده من إمكانيات.. لم يعرف حجمه بالنسبة للمكان الذى علق فيه، وكانت قرونه التى يستخدمها عادة للدفاع عن نفسه هى ما ذهب به للوقوع هدفا للصياد، ذلك لأنه لم يخطط جيدا أين يضع أرجله وكيف يسلك بقرونه.

    النهاية حزينة، وقع الظبى الأحمر، والأسباب كثيرة ربما كل ما رآه القراء صحيح، ولكن الدرس قاس، ربما لأن متابعى قصة الظبى فرحوا كثيرا وهللوا لنجاته الأولى من الصياد واعتقدوا أنه لن يقع ولن يسقط، ولما تعلو التوقعات، تكون خيبة الأمل كبيرة ومؤلمة.

    طبعا لم يكن إيسوب يتنبأ عما يحدث فى المونديال، ولكن قصته تشبه إلى حد كبير قصة الفريق القومى، كما أن تفسيرات القصة المتعددة تتفق كثيرًا مع قراءات متنوعة لأداء الفريق فى نصف أسبوع من المونديال، هل اهتموا بالشكل والمظهر دون دراسة مواطن القوة الحقيقية ومَن الأقدر على اللعب؟ هل كان للإعلام وتشتيته وشرود الأذهان دور سلبى؟ هل كانت الخطة الدفاعية دون هجوم سببا أيضا؟ هل هناك أسباب أخرى؟

    كلها أسئلة تحتاج لإجابات رشيدة بدلا من تبادل الاتهامات وتحتاج لدراسة هادئة بدلا من عشوائيات دفعات الغضب المحموم، والأهم: نحتاج أن نعلن نتيجة هذه الدراسة لشعب عريض يشجع بحماس ويحزن بقلوب مكسورة وكأن كرة القدم هى ما تبقى لملايين المصريين ليفرحوا.

    إيرينى ثابت
    للأعلى