وجهة نظر

البطيختان الإيرانية والتركية

2018-06-19 15:16:30 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تحاول روسيا التعامل بوتيرة سريعة مع الأزمة السورية، على أمل تحويلها بالكامل إلى ملف سياسى، رغم أن موسكو تدرك جيدًا أن هذه الأزمة ستطول لسنوات أخرى.

    فى سياق التعجل الروسى، تحاول موسكو حمل بطيختين بيد واحدة، بصرف النظر عما بداخلهما. فالجفاء الروسى – الإيرانى واضح بصورة ملموسة. وعدم رضاء طهران عن سياسات روسيا نحوها ظاهر بشكل يثير التساؤلات. ورغم هذا يسعى الطرفان لعدم إظهار ذلك، لأن إصبع كل منهما بين أسنان الآخر. بينما "المناورات" السياسية التركية – الروسية تصل إلى قمة التناغم، رغم إدراك الطرفين أن شهر العسل بينهما قد ينتهى فجأة ومن دون أى مقدمات. فتركيا الأردوغانية تفكر بشكل براجماتى يفوق المستوى الذى تفكر به روسيا. غير أن الأخيرة لديها جميع الأوراق التى يمكنها أن تبطل السم الأردوغانى فى حال تمردت أنقرة. بل يمكن لموسكو أن تلعب فى الداخل التركى كما يحلو لها، لأن الرئيس رجب طيب أردوغان قطع شوطًا لا بأس به فى معاداة ليس فقط الولايات المتحدة، بل أيضًا أوروبا والعديد من القوى الإقليمية مثل مصر والسعودية وعدد من الدول الأخرى.

    لقد نجحت العقوبات الغربية على روسيا وإيران فى تحقيق بعض الأهداف على مسار "فك الارتباط" بين أطراف التحالف الثلاثى الهش الذى يضم كلا من روسيا وإيران وتركيا. ومن الواضح أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يتعجلون فى تسوية الأزمة السورية، وإنما يجربون العديد من البدائل والسيناريوهات التى تضع مقدمات موضوعية لإضعاف هذا الارتباط أولا، ثم تفكيكه فى مراحل لاحقة.

    إن روسيا مجبرة على حمل البطيختين التركية والإيرانية فى ظل مواجهتها مع الغرب. ولكنها إن عاجلا أم آجلا، ستتخلى عن أى منهما أو كلتيهما. وربما يتخلى أى منهما عن هذا التحالف الذى أصبح يشكل عبئًا على الأطراف الثلاثة، ويمثِّل مشكلة حقيقية أمام انطلاق كل طرف لحقيق مصالحه الخاصة. وفى الحقيقة، فقد تكَوَّنَت مصالح ما بين روسيا ودول الخليج. هذه المصالح لا تزال فى طور التشكّل، ولكنها واعدة وتحمل مليارات الدولارات للاقتصاد الروسى، إضافة إلى مساحة النفوذ السياسى والجيوسياسي. ولكن يبدو أنها مرتبطة بدرجات معينة بتعديل مسارات السياسة الروسية. وبالتالى، يوجد وقت كاف أمام موسكو لوضع مصالحها فى الميزان بعيدًا عن التصلب والتطرف، خاصة أن إجراء تحولات فى السياسة الروسية لن يمس وجودها فى سوريا بقدر كبير، وإنما المسألة تتعلق بعلاقتها مع إيران. أما الملفات الكبرى العالقة بين موسكو وواشنطن، فمن الصعب الحديث عنها فى هذا السياق.

    روسيا لم تخسر كثيرًا إلى الآن. لكنها على أبواب خسائر ملموسة وفادحة، ومن الممكن أن تعيدها لعشرين سنة إلى الوراء. بينما إيران تواصل الخسائر على كل المستويات وفى كل المجالات وليس أمامها إلا روسيا التى تمكَّنَت من عزلها تمامًا عن محيطها وعن العالم، وأصبحت تملى عليها ما يجب عمله. وبالتالى، على طهران أن تفكر فى فتح قنوات ومسارات جديدة، بعيدا عن سوريا واليمن، وبعيدًا عن التدخل فى شؤون دول المنطقة. وهذا الأمر يبدو غاية فى الصعوبة، لأنه ببساطة يمكن أن يشكل مخاطر داخلية غير محمودة العواقب على النظام السياسى، ومخاطر خارجية بسبب الالتزامات الصبيانية التى أثقلت طهران نفسها بها.

    أما تركيا، فهى لا تزال تناور الجميع، وتحصل على مكاسب مجانية بسبب التناقضات بين الأطراف الدولية والإقليمية. ولكن إذا نظرنا من زاوية أخرى، سنجد أن الرئيس أردوغان ينزلق تدريجيًّا نحو نوع من العُزلة التى قد تكلِّف تركيا ثمنًا باهظًا على المديين المتوسط والبعيد، خاصة إذا ظل أردوغان يتلاعب بالعلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة. ولن يجدى نفعا لا علاقاته مع إسرائيل، ولا دعمه للقوى اليمينية الدينية المتطرفة، ولا شعاراته الصبيانية العتيقة التى يرفعها عندما يجد نفسه فى مأزق.

    فى الحقيقة، روسيا تدرك كل هذه التناقضات بين كل من إيران وتركيا من جهة، والغرب ومحيطهما الإقليمى من جهة أخرى. وتحاول قدر الإمكان استخدام هذه التناقضات لتُبْقِى طهران وأنقرة إلى جوارها على المدى القريب، على الأقل إلى أن تحقق بعض المصالح، أو تجد صيغًا لمساومة الغرب والدول الإقليمية الحليفة له، أو تحصل على الثمن المناسب الذى يرضيها ويحقق لها مصالحها مقابل أن تبدأ بتغيير سياساتها. ومع ذلك، فمحاولات روسيا حمل بطيختين بيد واحدة تبقى محفوفة بالمخاطر فى ظل المتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والمالية التى تقودها حصرًا الولايات المتحدة وأوروبا. وعلى خلفية التحركات الإسرائيلية التى لا تستطيع روسيا إبداء أى رد فعل تجاهها. وربما يكون العامل الإسرائيلى أحد العوامل المهمة التى قد تدفع روسيا للنظر جديًّا فى مسألة حمل هاتين البطيختين اللتين أصبحتا تشكلان عبئًا على سياساتها ومصالحها وطموحاتها.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49
    للأعلى