وجهة نظر

ليه معندكش غالى؟

2018-06-14 10:00:57 |
  • إيرينى ثابت
  • إنه "ترند" حديث ينتشر بشكل مزعج على صفحات التواصل الاجتماعى هذه الأيام، لا ينبغى أن تهتم بوجود شخص ما فى حياتك، ولا بخروج شخص ما من حياتك، من يريد أن يغادر، مع ألف سلامة!

    كتبت صديقتى مريم نقلا عن أصدقائها على فيسبوك اعتراضا على تلك الفكرة السخيفة، كتبت أنها لا تفهم لماذا صار الكثيرون يعلنون بسرور أنهم لم يعد لديهم شخص "غالِ" وأن كل الناس فى نظرهم "واحد".

    ورأت مريم أن "الخوف" يحرك هؤلاء بسبب تجارب قديمة ربما تكون قد أذت مشاعرهم، ولكن ذلك ليس مبررًا كافيًا لتحويلهم إلى أناس "باردين"، ولا إلى تخليهم عن المشاعر الإنسانية التى لا تظهر إلا ببذل الجهد وإظهار الاهتمام نحو الآخرين.

    وتساءلت عما إذا كان إظهار المشاعر الانسانية فى الصداقة والحب بل والشغف نحو الآخر يعد ضعفًا أو عيبًا، وعما إذا كنا كبشر نستطيع أن نحيا دون تلك المشاعر الإنسانية التى جبلنا عليها وتكون حياتنا مكتملة، وهل الإحساس نعمة أم نقمة؟

    سعدت بكلماتها لأنها ترفض ذلك المبدأ الاحتمائى العجيب الذى يتقوقع فيه الإنسان على نفسه ويحجب مشاعره راسما صورة خاطئة فيها جمود وبرود ظنا منه أنه بذلك شخص قوى يستغنى عن الآخرين ويستطيع العيش دون أن يكون فى حياته غال ولا عزيز، ويبدو أن هذا هو مرض العصر الذى لا يشعر من يمرض به أنه مريض، على الرغم من أنه يبتر قسما هاما من إنسانيته ألا وهو المشاعر.

    الأعراض واضحة كما ذكرنا، لا يوجد مَن يستأهل أن تعبر له عن مشاعرك أو تغضب منه أو تحزن لو غضب هو منك أو تعاتبه بالعكس، من يخرج، مع السلامة.

    وهى أعراض خطيرة أسبابها غالبا: جرح قديم، تجربة وخبرة سلبية، يعبر إنسان عن مشاعره بوضوح لمَن يحبه أو يصادقه فيجد ألما أو برودا أو رفضا أو استغلالا، وتكون النتيجة جرح غائر لدى الطرف الأول، ينغلق بعدها ويحبس مشاعره أو يجمدها وتكون هذه هى طريقته فى حماية ذاته من تكرار المأساة.

    وهنا المشكلة، الألم جزء من الطبيعة البشرية، وكما يتحمل الجسد آلاما كثيرة أشهرها آلام النمو، وآلام الولادة لإنسان جديد، وحتى آلام الأمراض العادية كالصداع مثلا، لابد أن يفهم الإنسان أن الألم النفسى أيضا جزء من الحياة، فنحن نتعرض للصد، وللفتور، وللخيانة، وللصدمات، ولفقدان الأحباء ولغيرها من المشاعر المؤلم، وكما أننا لا نبتر يدنا إذا انجرحت، لا ينفع أن نبتر قلوبنا ومشاعرنا إذا انجرحت، بل نداوى هذا وذاك، وإلا سيفقد الإنسان نصف أعضائه الجسدية، وكل مشاعره ووجدانه.

    قال أحد الحكماء الذين لا يعرفهم كثيرون، ولكننى أعرفه، قال: "الحب يحتاج إلى شجاعة"! كان قولا مبهرا، وحقيقيا، ويصح قوله لا عن الحب فقط بل عن الحياة كلها، فخوض أى تجربة فى الحياة يحتاج "شجاعة"، وقطعا خوض تجربة الحب – مهما انطوت على الألم – يحتاج إلى شجاعة، إذا قابلت شخصا لا يستحق شجاعتك، فقطعا هناك آخرون يستأهلون مشاعرك وشجاعتك فى إظهارها، ويستحقون أن تدعوهم "غالى" و"عزيز".

    نعم صديقتى الرقيقة، أوافقك تماما، المشاعر نعمة، الصداقة والحب والشغف وغيرها تحتاج إلى شجاعة لخوض تجاربها، وإلى استعداد عبور بعض الألم من أجلها، ونحن لو كنا بدون مشاعر وبدون شجاعة وبدون تمييز للغالى والرخيص، فنحن قد حجبنا أنفسنا عن الحياة ومتنا حتى لو كان شكلنا أحياء.

    إيرينى ثابت
    للأعلى