وجهة نظر

القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها! 

2018-06-12 18:15:16 |
  • د.أشرف الصباغ
  • قال وزير الخارجية الروسى، سيرجى لافروف، إن انعقاد قمة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب والزعيم الكورى الشمالى، كيم جونج أون بحد ذاته أمر إيجابى.

    يعكس هذا التصريح رؤية روسيا للقاء القمة "التاريخى" بين زعيمى الولايات المتحدة وكوريا الشمالية فى سنغافورة، فموسكو لا ترى أى إيجابيات فى هذه القمة إلا مجرد انعقادها، بل وأكد لافروف أنه شاهد مثل الكثيرين على شاشات التليفزيون المصافحات والابتسامات والترحيبات، ولكنه لم ير بعد الوثيقة التى تم التوقيع عليها، ما يعنى بالصيغة الدارجة "لما يبقى يجى الصبى، ابقى صلى على النبى".

    روسيا فى الوقت الراهن ترى أنها أصبح قوة عالمية قادرة على مناطحة الولايات المتحدة والغرب وحلف شمال الأطلسى.

    وبالتالى، يجب أن يكون لها تأثير ونفوذ فى كل مناطق العالم، مثل أى قوة عالمية بحاجة إلى مناطق لتصريف مبيعات الأسلحة وفوائض القيمة والتراكمات المالية والتحكم فى مصادر الطاقة وطرق نقلها، ومن ثم، فمن الصعب أن تقف روسيا مكتوفة الأيدى أمام مثل هذا التطور وما سيتبعه من تطورات.

    موسكو تُظهر دبلوماسية وقبولا لهذه الخطوة، ولكنها تبطن أشياء أخرى معاكسة، وتفكر في أمور وملفات ثالثة متناقضة، وترى خلف الأبواب المغلقة أن أى توافق أمريكى– كورى شمالى سيحرمها من ورقة ضغط مهمة على واشنطن، وذلك على الرغم من أن تأثير روسيا بمفردها على كوريا الشمالية ضئيل، إلا أنه لا يضيرها أن تستخدمه بأي شكل ولو حتى لتعطيل الأمور ودق الأسافين لحين وضوح المشهد. ولكن فى حقيقة الأمر، نجح روسيا فى الالتفاف على الصين فى السنوات الأخيرة، ونجحت أيضا بدرجات معينة فى التأثير بدرجة أكبر على الملف الكورى الشمالى، ومنحت بيونج يانج ورقة ضغط على الغرب عموما، وعلى واشنطن بالذات.

    التقارب الأمريكى– الكورى الشمالى يثير قلق روسيا، مهما أدلت موسكو بتصريحات دبلوماسية وسياسية ناعمة، ولذلك لم تتراجع عن إرسال وزير خارجيتها سيرجي لافروف إلى بيونج يانج قبيل قمة ترامب وكيم جونج أون. بل وأعلنت عن دعوة الزعيم الكورى الشمالي لزيارة روسيا، ثم عن التحضير لزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية، كل ذلك حدث خلال أسبوعين فقط بعد أن صالت وسائل الإعلام الروسية وجالت واجتهدت فى دق الأسافين وبث الأخبار الكاذبة وصب الزيت على النار، بل ذهب المحللون والساسة الروس إلى حدود وآفاق متشائمة، واجتهدوا من جانبهم أيضا فى دس المعلومات الكاذبة لتضليل الرأي العام، والتأكيد على فشل التحضيرات للقمة تارة، وفشل المفاوضات تارة أخرى، وضغوط أمريكا على كوريا الشمالية وإهانتها لها تارة ثالثة،
    الروس يروِّجون الآن بأن الرئيس بوتين هو الذي يقف وراء انعقاد القمة الأمريكية – الكورية الشمالية، ويرفعون السقف إلى أعلى مؤكدين بأن تأثير روسيا قوي للغاية فى هذه القمة.

    وربما تبدأ موسكو الحديث فى الأيام المقبلة عن مدى تَحَكُّمِها في مستقبل العلاقات بين واشنطن وبيونج يانج. وبعدا عن تلك "الحالة الروسية"، فإن موسكو ترغب بالفعل فى منح بيونج يانج هدية استثنائية، ألا وهى استخدام الموقف الروسى من الولايات المتحدة كورقة ضغط فى المفاوضات المقبلة والتى قد تستغرق سنوات طويلة وستتخللها بطبيعة الحال الكثير من فترات الحماسة والركود، والتقدم والجمود.

    كوريا الشمالية من جانبها كانت تستخدم في السابق الموقفين الروسي والصيني كأدوات للضغط في ظروف "المواجهة"، والآن ستستخدمهما فى ظروف "المفاوضات"، ولكن ما هو المقابل الذي تريده روسيا والصين؟! وهل هذا المقابل مرتبط بالمقابل الذي تريده كوريا الشمالية من الولايات المتحدة؟!

    فى الحقيقة، لن تتخلص بيونج يانج من ترسانتها النووية بين يوم وليلة أو خلال عام أو اثنين أو حتى خمس سنوات. والولايات المتحدة ليست متعجلة بالنسبة للترسانة النووية بقدر ما هي متعجلة بشأن وضع النقاط على الحروف في ما يتعلق بالصواريخ الكورية الشمالية القادرة على حمل أسلحة الدمار الشامل.

    بينما كوريا الشمالية بحاجة إلى رفع ولو حتى بعض العقوبات، وفتح الطريق أمام مؤسساتها المالية نحو المؤسسات الغربية والعالمية الكبرى، وفتح الطريق أيضا أمام اندماج الاقتصاد الكورى الشمالى فى الاقتصاد العالمى، ولكن هذا لن يحدث أيضا بين يوم وليلة.

    إننا أمام مشهد مهم للغاية، قد يكون لصالح البشرية فعلا، بصرف النظر عن ما ستقدمه كوريا الشمالية أو الولايات المتحدة من تنازلات، ولكن الطرف الروسى، الذي يرى أن من حقه المشاركة فى كل ما يحدث على الكرة الأرضية، قد لا تروق له الكثير من الخطوات والإجراءات والتقاربات، وقد يرى أن التقارب والتفاهم يضران ببعض مصالحه.

    وفى الحقيقة، موسكو على حق تماما، لأن أى شكل من أشكال الاتفاق بين واشنطن وبيونج يانج سيكون على حساب روسيا تحديدا، على حساب مصالحها وطموحاتها، وهى التى تضع نفسها الآن على درجة متساوية مع الولايات المتحدة.

    إن أى اتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، سيقدم خدمات مهمة للصين، وسوف تستفيد الأخيرة من أى تقاربات بين واشنطن وبيونج يانج، وكل المؤشرات تؤكد أن الولايات المتحدة تتعمد تقديم خدمات للصين على حساب روسيا لأسباب تكتيكية، كما أن الصين فى حقيقة الأمر لا تحرم الولايات المتحدة من خدماتها بل وترد لها المقابل بأشكال كثيرة متباينة، بصرف النظر عن العلاقات الجيدة بين موسكو وبكين.

    العالم ينتظر تحركات فعلية بعد قمة ترامب وكيم جونج أون. هناك تفاؤل حقيقى بإنقاذ العالم من مواجهات ستنعكس آثارها على الجميع، لكن روسيا الطامحة إلى دور لا يقل عن دور الولايات المتحدة قد يكون لها رأى آخر، فى ظل العقوبات المفروضة عليها، والحصار الذى يتسبب فى عزلتها اقتصاديا وعلميا وماليا، والمغامرات العسكرية فى العديد من المناطق الساخنة فى العالم والتى ترهقها ماليا.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56
    للأعلى