وجهة نظر

مخاوف إيران من روسيا فى سوريا  

2018-06-05 14:44:32 |
  • د.أشرف الصباغ
  • يتزايد الحصار الغربى لكل من روسيا وإيران عبر أدوات مختلفة، من بينها العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، أو التهديد بمواجهات مباشرة، أو حتى تنفيذ عمليات عسكرية.  

    وإذا كانت التهديدات تتحقق تدريجيًا وبدرجات متفاوتة على أرض الواقع عبر هذه الأدوات، فإن ضربات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل لمواقع تابعة لبشار الأسد أو تابعة لإيران فى سوريا مؤشر مهم على أن الغرب لا يمزح، حتى فى ما يتعلَّق بتجميد الاتفاق النووى مع إيران، بصرف النظر عن "التناقض الظاهرى" فى المواقف بين واشنطن والعواصم الأوروبية.

    هناك بالفعل ضغوط روسية على إيران، فى وقت يظهر فيه تنسيق روسى – إسرائيلى، ما يجعل طهران عرضة لهواجس وشكوك فى حقيقة الموقف الروسى من جهة، وفى حقيقة طموحات موسكو من جهة أخرى. وهناك أيضًا قلق إيرانى غير مسبوق، كما أشارت نشرة "أوراسيا ديلى"، بشأن التحديات التى تمليها على طهران، إلى تلك التفاهمات التى تدور بين روسيا وإسرائيل بخصوص منطقة جنوب وجنوب غرب سوريا، وبالذات فى درعا والقنيطرة وإنهاء الوجود الإيرانى هناك.

    نشرة "أوراسيا ديلى" ترى أن مركز ‎تطورات الأحداث الرئيسية فى سوريا تحوَّل إلى جنوب البلاد، بالقرب من حدود إسرائيل والأردن، حيث تقع إحدى مناطق تخفيف التوتر الأربع. وبالتالى ترى إيران نفسها فى مصيدة حقيقية أمام ليس فقط تصريحات القيادة الروسية واجتماعاتها مع الإسرائيليين، بل أيضًا حقيقة التفاهمات التى تجرى خلف الأبواب المغلقة. هذا إضافة إلى العديد من الإشارات المتناقضة التى تظهر بين الحين والآخر من جانب نظام الأسد فى دمشق، حتى وإن كان النظام يؤكد بين الحين والآخر أن الوجود الإىرانى شرعى، وأنه الوحيد المخوَّل بتحديد الدول الشريكة التى يجب أن تبقى قواتها فى سوريا، والقوات العدوة التى يجب أن تخرج من هناك. وهذا الملمح الأخير يوضح مدى حدة الخلافات المستترة بين موسكو والأسد، ومدى الفوضى الحقيقية التى لا يريد أحد من الأطراف الثلاثة (روسيا وإيران والأسد) الإفصاح عنها صراحة، تفاديا لانهيار التحالف الهش الذى يضمها مع بعضها البعض من جهة، ومع تركيا من جهة أخرى.

    إيران مهددة بتقليص وجودها فى سوريا، سواء بسبب الضغوط الغربية، أو بسبب تحركات روسيا. وهناك نظرة عدوانية من جانب طهران لكل الخطوات التى تعمل على إزالة الوحدة الإيرانية القتالية الرئيسية من الأرض السورية المتاخمة لإسرائيل. وهو ما يمكن أن يمتد أيضًا إلى إخراج القوات الإيرانية من ريف دمشق، بل من العاصمة السورية نفسها.

    طهران ممتعضة وغاضبة وتساورها الشكوك والهواجس من دخول روسيا فى مفاوضات مع إسرائيل حول مشكلة الوجود الإيرانى فى سوريا، واستغلال موسكو لوضع طهران الصعب الناجم عن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووى، وفرض المزيد من العقوبات على إيران، ووقوعها بين سندان الموقف الأوروبى ومطرقة التحركات الأمريكية.

    لقد انكشف جزء لا بأس به من التناقضات بين الثلاثى (روسيا وإيران والأسد) عندما تحدثت موسكو رسميًّا وصراحة عن خروج جميع القوات الأجنبية (الأمريكية والتركية والإيرانية وميليشيات حزب الله) من سوريا. وردت طهران على موسكو بقسوة. وجاء رد الأسد أكثر قسوة. ومع ذلك لم تهتم القيادة الروسية بهذه الردود وتواصل مشاوراتها المكثفة مع إسرائيل، على أمل أن تساعد تل أبيب فى تخفيف العقوبات الغربية على روسيا من جهة، وأن تحصل موسكو على مساحة فى التسويات الشرق أوسطية مستقبلا. وهذا مؤشر آخر ليس فقط على حدة وعمق التناقضات، بل على ضعف موقفى ووضعى كل من إيران وبشار الأسد، رغم كل التصريحات والتهديدات العنترية التى تُزَيِّن وسائل الإعلام .

    إن طهران غاية في القلق والشك. بل أصبحت لديها قناعة بأن روسيا تحاول استغلال الظروف غير المواتية لإيران إقليميا ودوليا، وتوجه موسكو لربط نظام الأسد بها بشكل حصرى، تمهيدًا لعقد صفقات أخرى قد تكون على حساب إيران. ولكن روسيا ليست وحدها فى سوريا. فهناك دول التحالف الدولى، وتركيا، وأطراف إقليمية أخرى. وموسكو لا تستطيع أن تفسد علاقاتها مع كل هذه الأطراف، وتضحى بمصالح مهمة، سواء مع أطراف أوروبية أو أطراف عربية. وبالتالى، تتجه موسكو لتحقيق بعض النقلات المهمة التى ترى طهران أنها تعمل على إضعاف وتقليص الوجود الإيرانى، أو فى أحسن الأحوال تحويل إيران إلى ورقة للمساومة.

    موسكو لا تلتفت إلى غضب إيران وشكوكها وهواجسها، وتنصحها بالبرجماتية، وتقنعها بأن الحوار مع إسرائيل يهدف إلى قطع الطريق أمام أى تحركات معادية لإيران، سواء من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة. أى أن موسكو تؤكد أنها تدافع بشكل غير مباشر عن مصالح طهران عبر اتصالاتها مع القيادة الإسرائيلية. وفى الوقت نفسه تحاول إعادة الأسد إلى المشهد الشرق أوسطى عبر نشر قواته حصرًا على الحدود مع إسرائيل مع ضمان عدم الإضرار بأمنها. ولا يعرف أحد مدى قبول الأسد وطهران بهذه المعادلة التى تتعارض تماما مع تصريحاتهما اليومية بالممانعة.

    فى الحقيقة، تحاول روسيا طرح العديد من الصيغ، وتتحرك على عدة محاور فى وقت واحد. ولكن المشهد المتوتر جدًا فى المنطقة يضم قوى عديدة ذات مصالح متباينة فى مسرح العمليات فى جنوب غرب سوريا، وفى سوريا كلها، يصعب على روسيا أن تحقق فيه نتائج ملموسة. من هنا تحديدا، يظهر انطباع بأن الإيرانيين لا ينوون الحد من نفوذهم فى سوريا. وقد تظهر مشاكل حقيقية بينهم وبين الروس، من شأنها دفع طهران للسير فى اتجاه عكسى لمسارات موسكو، سواء كان ذلك بشكل مباشر فى سوريا، أو بشكل غير مباشر فى مناطق وملفات أخرى.

    إن إيران فى وضعها المزرى الحالى، تعتبر هى الأخرى أن نظام الأسد ورقة تفاوضية مهمة للغاية مع الغرب، وربما مع إسرائيل أيضا. وبالتالى، لن تتخلى إيران عن هذه الورقة. وفى الحقيقة، فكل من روسيا وتركيا تعملان أيضا بنفس المنطق، ولكن لأهداف مختلفة. أى أن كلا من (روسيا وتركيا وإيران) تعرف جيدًا أنه لا تحولات جدية فى سوريا إلا فى سياق تفاهمات كبرى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. هذه التفاهمات لا تتضمن فقط الملف السوري، وإنما تنطوى على ملفات وقضايا كثيرة أخرى بالنسبة للدول الثلاث. وبالتالى، من الصعب أن تخرج إيران من سوريا من دون مقابل. ومن الصعب أن تغادر تركيا الأراضى السورية دون مقابل. ولكن لا أحد يعرف هذا المقابل وأبعاده الحقيقية من جهة، ولا أحد يضمن حصول أى منهما على ذلك المقابل "المعقول" الذى يحقق مصالحهما.

    من جهة أخرى، يبدو أن روسيا تتلاعب بذكاء شديد بالملف الإيرانى. فهى تضغط تارة لكى تبقى المبادرة فى يدها، وتعلن تارة أن الأمور على ما يرام مع إيران، لأنها تعرف جيدًا أن موقفها التفاوضى مع القوى الأخرى المتواجدة فى المشهد السورى سيكون أقوى بكثير فى ظل الوجود الإيرانى المباشر وغير المباشر فى سوريا سياسيًا وعسكريًا. ولا شك أن الغرب يرصد كل هذه المعادلات، ويواصل تحقيق خططه وسيناريوهاته البطيئة والتدريجية ومتوسطة وطويلة المدى. ويرى أن المسألة، مسألة وقت بالنسبة لفك الارتباط بين أطراف هذا "المحور الهش" القليلة جدا التى لا يجمعها سوى عداوتها للغرب، أو فى أحسن الأحوال، خلافاتها معه.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56
    للأعلى