وجهة نظر

امرأة بسيطة!

2018-05-31 09:58:08 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    أيهما أيسر.. أن يحل السلام فى منطقة الشرق الأوسط، أم أن تجد امرأة فيها الصفات التى تتمناها؟ للإجابة على هذا السؤال اقرأ القصة القصيرة التالية:

    يحكى أن رجلاً وجد الفانوس السحرى، وبعد أن مسح عليه خرج له الجنى.. قائلاً: "لك أمنية واحدة فقط، أطلب ما تريد يا سيدى".. فأخرج الرجل من جيبه خريطة العالم، وأشار على منطقة الشرق الأوسط وبلدانها، وقال للجنى: "أريد أن يعم السلام هذه المنطقة وهذه البلدان جميعها، وأن تنتهى منها كل الحروب، وألا تتدخل قوى خارجية أو ظلامية لتفسد المنطقة، وأن تتعايش شعوبها فى سلام مع بعضها البعض".

    نظر الجنى إلى الخريطة مليًا، وقال للرجل: "يا سيدى، منذ مئات السنين عندما دخلت الفانوس وهذه المنطقة مليئة بالحروب، وتعيش فيها شعوب تكره بعضها بعضًا منذ الأزل، ولن أتمكن من إزالة كل هذا التاريخ من الحروب، ليحل فيها الآن السلام، ولا أعتقد أنى أستطيع أن أُلبى لك هذه الأمنية، إنها صعبة جداً.. لا أستطيع يا سيدى، هل لك أمنية أخرى تكون أيسر قليلاً؟".

    فكر الرجل كثيرًا، ثم قال: "أبحث عن امرأة بسيطة، وها هى الفرصة قد سنحت لأجدها عن طريقك.. أريد امرأة جميلة لكنها غير مغرورة.. أريدها بسيطة ولا تحب المظاهر والموضة.. أريدها مثقفة ومهذبة، ولكن لا تتكلم إلا بهدوء وبما هو مفيد.. أريدها بشوشة ولا تعرف النكد والجدال.. أريدها أن تحب أمى كما تحب أمها.. أريدها أنيقة ولكنها غير مسرفة.. أريدها أن...".

    هنا قاطع الجنى كلام الرجل بسرعة، وقال له بصوت عال: "أين الخريطة؟ سأنظر عليها مرة أخرى وأحاول تنفيذ الطلب الأول".

    انتهت القصة، وهى تشير إلى سلبيات كثيرة فى صورة خطيرة.. إذ تبدأ بسياق سياسى يأخذ القارئ إلى قضايا متعددة: الحرب والسلام، والأخذ بالتاريخ أم النظر للمستقبل، وإمكانية الحل وتغيير خريطة الشرق الأوسط أم استحالة الأمر.. ثم يصاب القارئ بالإحباط بسبب رد الجنى واستحالة إيجاد حل للمنطقة.. وفجأة – ودون مقدمات - ينتقل إلى قضية أخرى – تطرحها القصة بقسوة وسخرية – إذ أن احتمال تحقيقها هو أكثر استحالة من التعقيدات السياسية.. ألا وهى أن يجد الرجل امرأة فيها ما يبحث عنه من صفات دعاها بـ"البساطة".

    والمغالطة هنا كبيرة جدًا جدًا.. فمن قال إن إيجاد امرأة تحب البساطة هو شيء مستحيل؟ ومن قال إن وضع نهاية للحروب التى صنعها الرجل ووجدت المرأة نفسها وأسرتها فيها، أيسر من وجود تلك المرأة البسيطة؟ هناك سيدات كثيرات بسيطات يعشن حول هذا الرجل المغالط والجنى الجاهل، وهن يتميزن بالبساطة والأناقة والهدوء والرقة والثقافة وحسن الكلام والصمت وعدم التكلف وعدم الغرور وحب الآخرين دون تمييز والقدرة اللانهائية على العطاء دون انتظار مقابل والتضحية من أجل من تحب.

    يبدو أن هذا الرجل لا يستطيع تمييز الجمال الحقيقى من الجمال المزيف، ولا يتمكن من قراءة الشخصيات بصفة عامة.. لأنه لو علم كيف يميز الناس، لوجد السيدة التى يبحث عنها.. كان سيجد سيدة بعيدة عن التعقيدات والتكلف.. ولو كان يفهم الشخصيات جيدا لما طلب من الجنى غير الإنسانى أن يبحث له عن إنسان يشاركه الحياة.. لو بحث بذكاء سيجدها.. المهم أن يكون هو مستحقا لها.

    إيرينى ثابت
    للأعلى