وجهة نظر

إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان

2018-05-29 14:02:30 |
  • أشرف الصباغ
  • الدكتور أشرف الصباغ

    ستظل الخلافات السياسية، والفكرية تمثل إحدى أهم الأدوات الرئيسة فى تفسير الأحداث، وفهمها، وربطها بالتحولات التاريخية.

    لا ضرر ولا ضرار أبدًا فى وجود تلك الخلافات وزوايا النظر، لأنها كانت وما زالت وستظل. ولكن المنطق الرياضى، والأخلاقى، والتاريخى يقول أيضًا، أن هناك دائمًا "ثابتا" فى كل المعادلات. ومعادلة الـ 6 من أكتوبر 10 رمضان عام 1973، كان ثابتها هو "إرادة الجند".

    فى الحقيقة، كل الذين عادوا من أقاربنا، وجيراننا، وأصدقائنا، ومعارفنا من حرب 1973 لم يتحدثوا عن وجود ملائكة، أو شياطين كانوا يحاربون إلى جانبهم أو ضدهم. تحدَّثوا فقط عن نار، وهلاك، وموت، وتحدثوا عن إرادة، وصلابة، وإصرار، وأكدوا أنهم هم بأنفسهم الذين خاضوا تلك الحرب. وحَكوا أيضًا، عن زملائهم، وأصدقائهم الذين لم يعودوا. ولكن الإرادة لا تتجزأ، إرادة الذين عادوا وإرادة الذين لم يعودوا. فهم الذين خاضوا تلك الحرب، وهم الذين انتصروا فيها، ولا أحدًا أو شيئًا آخر شاركهم شرف تلك الإرادة والإصرار، ومجد الانتصار.

    لا انتصارات بالأدعية، والمباخر، والشعوذة، وادعاءات القدسية.. الانتصار، إرادة وإصرار فى جانبه الروحى، وعمل، ودأب، وعقل فى جانبه المادى. لقد خاض جنودنا هذه الحرب لحماية أنفسهم، وأولادهم وأقاربهم، لحماية مجدهم ومجد أجدادهم.

    والمجد لا يتجزأ أيضا. ولا يمكن أن ننسب هذا الانتصار إلا لهم ولأجدادهم الحقيقيين الذين تركوا فيهم تلك الإرادة وذلك الإصرار، حتى وإن تغيرت الأحوال وتبَدَّلَت الظروف كثيرًا أو قليلًا.

    فى كل العصور والأزمنة، كان لحملة المباخر وصنَّاع الأحجبة، وحارقى الشبة، والفسوخة مكانًا فى المجتمعات، وفى الأحداث وفى التاريخ. وكلما قل تأثير هؤلاء وتقَلَّصت مساحتهم، كلما ظهرت إرادة البسطاء وتحققت رغباتهم وأحلامهم فى حياتهم داخل وطنهم. وحلم "الجند المصريين" لم يكن أبدًا غزو أراضى الغير أو مصادرة حق وجود الشعوب الأخرى، وإنما الحفاظ على حدود بلاده وحمايتها والدفاع عن ذاكرة الأجداد الحقيقيين وثرواتهم التى تركوها أمانة بين يديه.

    لم يكن هناك لا ملائكة ولا شياطين. كان هناك "جند مصر" على "أرض مصر". لم يكن هناك موقعة، أو غزوة، أو مباخر، وشعوذة، وإنما كانت هناك حرب كبيرة بالحديد والنار، خاضها هذا الجند على أرضه من أجل تحريرها، وتحرير إرادتها. فللملائكة شؤون أخرى، ومهام تحددت فى نطاقات دينية، وروحية خاصة. ولكن حملة المباخر والمشعوذين والمدَّعين يصادرون إرادة البسطاء من أجل أن يتربحوا على الإنسان وعلى الملائكة.

    للحرب ثمن. وجند مصر دخل الحرب وهو يعرف الثمن مسبقًا. دخل الحرب ليدفع ثمن تحرير إرادته، وإرادة أبنائه، وأبناء جيرانه وأقاربه. دخلها ليضع إنجازه إلى جانب إنجازات أجداده الحقيقيين الذين أورثوه ضميرهم وحكمتهم فى أسرار معابدهم ورحابها، وفى ملامح الوجوه الباقية على جدرانها.

    دخلها أيضًا، ليترك إرثًا لأبنائه، وأحفاده، ومن أجل أن يعى هؤلاء الأبناء والأحفاد الدرس الكبير "درس الحرب والحديد والنار والموت"، وأنه لم يكن غازيًا، وإنما مدافعًا عن قيمة الحياة، والإرادة، والتاريخ، وأن الدفاع عن الحق والحرية والإرادة، واجب أرضى يتعلق بالحياة، ومتعتها وجمالها، ولا دخل فيه لا للملائكة، ولا للشياطين.

    أشرف الصباغ د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    اللعب الروسى الأمريكى الخطير فى سوريا 2018-12-04 12:08:59 حرب المعلومات والتكنولوجيا الرفيعة بين روسيا وأمريكا 2018-11-27 16:55:33 وسائل الاتصال الحديثة والمفهوم التقليدى للنخب 2018-11-20 13:03:39 المهمة الأخطر للجيش الأوروبى الموحد 2018-11-13 09:54:51 مصير المثقف فى عصر التحولات العلمية التقنية 2018-11-06 20:09:30 مسامير جحا فى إدلب 2018-10-30 15:14:24 أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30
    للأعلى