وجهة نظر

بعض أدوات السيطرة العقلية على أبناء الجماعات المتشددة

2018-05-29 13:42:47 |
  • محمد فياض
  • استطاعت الجماعات صاحبة الأيدولوجية الدينية أن تتبنى مشاريع ومضامين اجتماعية غازلت فئات العوام، والمهمشين ما ساعدها على استقطابها استقطابًا قذرًا.

    إن هذه الحركات الدينية تهدف دائمًا لاستقطاب هذه الشرائح الاجتماعية الدنيا، والتى تشكل لها معاقل مقاومة، وهجوم ثابتة ومتجددة وجيشًا احتياطيًا متواطئًا وقابلًا للتعبئة دائمًا، وفى الحقيقة فإن المعادلة التالية قد تصور لنا منظومة الاستقطاب "عوام وفقراء وجهلة + مشاريع اجتماعية + شعارات دينية".

    وفيما يتعلق بالشعارات الدينية، فقد استطاع الإسلاميون استخدامها وتوظيفها دائمًا، ممارسين من خلالها حالات استقطاب حادة، ولو أردنا مراجعة بعض شعارات الإسلاميين بعد 25 يناير، لوجدناها طافحة بالاستقطاب، فقد كان استفتاء مارس 2011 كرنفالاً صاخبًا لاستدعاء الرمز الدينى فلافتات وجداريات ومطبوعات عدة كانت حُبلى برموز دينية مثل "قالت الصناديق للدين نعم"!، بل وزاد الأمر تطرفًا باستخدام نص "نعم فى الجنة ولا فى النار"، والذى استخدمه الإخوان والسلفيون، وعديد من تيارات الإسلام السياسى على حد سواء.

    أما المحور الأكثر أهمية، فكان ما عُرف إعلاميًا "بجمعة قندهار"، والتى كان استخدام الرمز الدينى فيها متطرفًا وكانت أعلام القاعدة أكثر من المتظاهرين أنفسهم، كما كانت مناسبة لإعلان الافتراق السياسى، وإثارة المخاوف بين ملايين المصريين، حين رأوا الجماعات السلفية المتشددة تحشد أتباعها من كل أنحاء مصر ليتجمعوا فى ميدان التحرير، ثم تنقض كل العهود والوعود وتطلق شعاراتها الرافضة لأى حديث عن الدولة المدنية باعتباره خروجاً على الإسلام، ثم ترفع الرايات السوداء معلنة عن تيارات تكفير المجتمع كله بمن فيه التيارات الإسلامية المعتدلة داعية للجهاد ضد الكفار، والملاحدة الذين يخرجون على الإسلام ويتحدثون عن البدع المستوردة كالديمقراطية، والليبرالية، والأحزاب والانتخابات.

    وجاء يوم 28 يونيو 2013 كخطوة استباقية قام بها الإسلاميون للدفاع عن ما أسموه "الشرعية"، وكانت الأعلام واللافتات والمصاحف تحف مظاهراتهم وتحركاتهم فكان علم مصر يطوف بميادين الثورة فى أرجاء الجمهورية وكانت أعلام القاعدة تتواجد حصريًا فى رابعة العدوية فى مشاهد لها دلالتها البالغة فى هذا السياق، وصولا لقمة التطرف الدينى والأخلاقى من حادثة إلقاء الأطفال من أعلى أحد المنازل بسيدى جابر فى الاسكندرية، والذى جاء كلقطة بالغة الأهمية فى المشهد الدموى المتطرف المشرعن بالرمز الدينى، فكان الجانى يحمل علم القاعدة أثناء تنفيذ جريمته مما زاد من مأساوية المشهد.

    وهكذا كان الشعار الدينى أحد أهم العلامات الحاضرة بقوة فى الانسياق الأعمى لعناصر التدين الشعبى المندرجين فى صفوف الإسلاميين، ومطالبهم مشكلاً خطابًا تعبويًا مجيشًا على المستوى الشعبى، والذى كان حاضرًا أيضا فى معظم المشاهد الدموية العنيفة التى مرت بها تاريخ هذه الجماعات.

    وفى سياق آخر قد يبدو طريفًا إلا أنه ذا بال وخصوصية فى إطار عرضنا لفكر هؤلاء المنتمين لهذه الجماعات، فعلى سبيل المثال، تأتى الرؤى والأحلام كإحدى المحاور المهمة فى هذا كونها إحدى المخارج الذهنية التى تمثل هروبًا ومتنفسًا وبصيصًا من أمل لهذه العناصر المندرجة فى سلك هذه الجماعات على اختلاف أيدلوجياتهم، كما أنها أحد أهم أدوات السيطرة التى يمارسها زعماء الجماعات المتشددة على عقول البسطاء المندرجين فى سلكها.

    فالأحلام لها مكانة فريدة فى السيطرة الخرافية على المصير فى العالم المتخلف، وهى تتصف من وجهة النظر الشعبية بأنها نابعة من الذات، إذن، فالحلم يحتل مكانة مرموقة بين أساليب السيطرة الخرافية على المصير ويعتبر من الناحية الشعبية بشير فأل أو نذير شؤم ونوائب، واستعراض تأويل مختلف أنواع الأحلام يظهر أنه يدور دومًا حول مجموعة من الأزواج المتناقضة التى تمس كلها المصير المهدد للإنسان المقهور، تنذره بكارثة أو تبشره بفرج قريب.

    وقد لا ننسى الحادثة المشهورة فى اعتصام رابعة العدوية، حين أكد أحد أتباع المعزول محمد مرسى أن هناك رؤية تواترت على ألسنة الصالحين فى المدينة المنورة وهى أنهم شاهدوا سيدنا جبريل عليه السلام فى مسجد رابعة العدوية يثبت المصلين فى المسجد وقد استقبل المعتصمون بميدان رابعة العدوية هذه الرؤية بالتكبير والتهليل، مرددين دعاء: "اللهم انصر دعوتنا وبارك فى إخوتنا وبارك فى قادتنا".

    هذا، فضلاً عن الرؤى والأحلام التى كان يتحدث عنها صفوت حجازى يوميًا، والتى كانت أحد عوامل السيطرة على هؤلاء المعتصمين، أما الرؤيا الأخرى تلاها صفوت حجازى على منصة رابعة بأنه رأى فى منامه محمد مرسى يؤم المصلين وفيهم الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم"!

    وفى السياق ذاته، تعد الأساطير أحد أهم أدوات السيطرة على نفوس وعقول المنتمين لمثل هذه الجماعات المتشددة، فالأساطير تنتشر بسهولة فى أوساط الجماهير، أضف إلى ذلك السرعة الكاملة فى التصديق والتشويه والتضخيم الهائل للأحداث فى مخيلة الجمهور، فالحدث الأكثر بساطة يتحول إلى حدث آخر مشوَّه لمجرد أن يراه الجمهور، ولهذا السبب فإن الجوانب الساحرة والأسطورية من الأحداث هى التى تدهش الجماهير دائمًا وتؤثر عليها، وحسبما عبر أحد الباحثين أنه من خصائص ثقافة العامة استحواذ الخرافة والأسطورة عليها، وافتتانها بادعاءات المشعوذين، وأكاذيب المفترين .

    إن ما سبق من أدوات تحكم فى عقول هؤلاء المُضللين تفرز أنماطًا مشوهة من التفكير، هذه الأنماط تجعلهم يختذلون صورة البطولة فى شخوص قادتهم، فالبطل حسب فكر العوام منهم يتحمل ما لا يتمكن سواه من حملة، فضلًا عن شجاعته التى تصمد أمام كل امتحان، متحليًا بكل الفضائل النفسية والخلقية متمتعًا بكل قيم الرجولة، والشهامة والقيم.

    إنه البطل المنقذ مبعوث العناية الآلهية، لذا فقد لا نتعجب كثيرًا عندما نرى المنتمين لجماعة الإخوان الإرهابية يرون فى شخوص غاية فى التفاهة مثل محمد مرسى وغيره كل هذه الصفات رغم ما بدا عليه خلال فترة حكمه من تواضع شديد فى المستوى الفكرى وصل إلى حد السذاجة.

    ولكن هذه الذهنيات الموجهة فكريًا ترى فيه أن خليفة المسلمين ومانديلا العرب والرئيس الشرعى الصامد حتى وصل الخطاب إلى مستوى مرتفع من التطرف، فبعد المحاولة الفاشلة لاقتحام دار الحرس الجمهورى أخبر أحد أئمتهم الجموع هناك بضرورة وضع صورة محمد مرسى داخل أكفان قتلى الهجوم حتى تخفف عنهم عذاب القبر!

    د. محمد فياض
    للأعلى