وجهة نظر

«تدوير» الغضب

2018-05-17 09:41:57 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    ظلا متزوجين ستين سنة‏،‏ كانا خلالها يتصارحان حول كل شيء‏،‏ ويسعدان بقضاء كل الوقت فى الكلام أو خدمة أحدهما الآخر‏.. ولم يكن بينهما أسرارًا‏، ولكن الزوجة العجوز كانت تحتفظ بصندوق فوق أحد الأرفف‏، وحذرت زوجها مرارًا من فتحه أو سؤالها عن محتواه‏.

    ثم جاء يوم أنهك فيه المرض الزوجة العجوز‏، وقال الطبيب إن أيامها باتت معدودة‏.. فبدأ الزوج الحزين يتأهب لمرحلة قادمة ترحل فيها زوجته ويبقى هو وحيدًا، وفكر‏ أن يضع حاجيات زوجته فى حقائب حتى لا تتلفها الأتربة وليحتفظ بها كذكريات‏.

    وقعت عيناه على الصندوق الذى لم تسمح له زوجته أن يسأل عنه طوال حياتهما معًا.. فحمله وتوجه به إلى السرير حيث ترقد زوجته المريضة‏، التى ما أن رأت الصندوق حتى ابتسمت فى حزن، وقالت له‏:‏ "لا بأس‏..‏ بإمكانك أن تفتح الصندوق‏ الآن".‏

    فتح الرجل الصندوق ووجد بداخله دميتين من القماش وإبر النسج المعروفة بالكروشيه، ووجد تحت الدميتين مبلغ‏ 25‏ ألف دولار‏، فسأل زوجته عن تلك الأشياء‏.. ‏قالت العجوز هامسة‏:‏ "عندما تزوجتك قالت لى جدتى إن سر الزواج الناجح يكمن فى تفادى الجدل وعدم مجاراة الغضب‏..‏ ونصحتنى بأننى كلما غضبت منك،‏ أحول غضبى إلى عمل يدوى، فأقوم بصنع دمية من القماش والخيوط مستخدمة الإبر".

    لما سمع الرجل ذلك دمعت عيناه، وقال‏:‏ "دميتان فقط؟ هل يعنى هذا أنك لم تغضبى منى طوال ستين سنة سوى مرتين"؟ وبرغم حزنه على كون زوجته فى فراش الموت فقد أحس بالسعادة لأنه فهم أنه لم يغضبها سوى مرتين ‏فقط..‏ ثم سألها‏:‏ حسنا‏! عرفنا سر الدميتين، ولكن ماذا عن الخمسة وعشرين ألف دولار؟

    أجابته زوجته‏:‏ "هذا هو المبلغ الذى جمعته من بيع الدمى‏".

    انتهت القصة!

    قد تبدو القصة مضحكة فى البداية إذ أنه من الواضح أن الرجل قد أغضبها ما يزيد على اثنتى عشر ألف مرة مثلاً، إذا اعتبرنا أنها كانت تبيع الدمية بمتوسط دولارين.. والمضحك أنها احتفظت له بالمفاجأة إلى آخر وقت ممكن.. ولما أعلنت الأمر كان بطريقة مهذبة ولكنها مضحكة للقارئ.

    المضحك بالنسبة لى أيضًا أن وجود الدميتين الباقيتين يعنى أن الرجل كان يغضبها إلى وقت قريب صنعت فيه دميتين لم تتمكن من بيعهما ربما لمرضها.. وأكثر ما يضحك فعلاً هو أن تتخيل منظر الزوج الباكى المتألم الذى اعتقد لمدة دقيقتين أو أقل أنه زوج مثالى لم يغضب زوجته سوى مرتين طوال ستين عامًا، ثم فجأة يصاب بالذهول حين يعلم كيف كسبت زوجته آلاف الدولارات.

    ولكن فى القصة فكرة أعمق بكثير من مجرد الضحك.. فالدولارات هى ثروة من يغلب غضبه.. ليس من يكبته، بل من يعرف كيف يوجهه.. فالجدة العجوز كانت قد قدمت نصيحة "عبقرية" للزوجة الجديدة.. نصحتها أن تخصص مكانًا للغضب.. صندوقًا للغضب.. هذا المكان هو مصنع تدوير – إعادة تصنيع – يدخل الغضب إلى الصندوق وتعمل فيه الإبر بمهارة السيدة الغاضبة فينتهى غضبها شيئًا فشيئًا حتى تتم صناعة الدمية.. وبإتمام الدمية يكون غضبها قد تلاشى.. ولأنها نجحت فى ذلك فهى تستحق المكافأة لذلك تبيع الدمية وتأخذ مكافأتها لأنها نجحت فى أن تخرج غضبها فى صورة ليست لائقة فحسب، بل إيجابية.

    وأما عندما أنظر نظرة أعمق تنتهى ضحكاتى ويعلو عجبى.. إذ أتساءل لماذا ظلت الدولارات فى الصندوق ولم تنفقها الزوجة لنفسها؟ إنها الآن ستتركها لزوجها الذى أغضبها ودفعها لكسب الدولارات.. أليس هذا عجيبًا؟ الحقيقة لم أجد له سوى تفسير واحد، هو أن هذه الزوجة قد سامحت زوجها.. غفرت له.. لم تعد قابعة تحت مشاعر الانتقام.. بل بالعكس قدمت له أجمل هدية قبل أن تتركه.. هدية المغفرة.. وكأنها تقول له لقد نسيت كل غضب والدليل أنى أترك لك هذا المال.

    يا ليتنا جميعًا نتذكر تدوير الغضب ونحن فى أزمات المرور، أو الخلافات الأسرية، أو تربية الأبناء، أو فى منازعات العمل.. ونتذكر أن الخمسة وعشرين ألف دولار ليست هى المكافأة، ولكنها مجرد رمز لما يمكن أن نكسبه من صحتنا، وأعصابنا، وأخلاقنا، واحترام الآخرين لنا.

    إيرينى ثابت
    للأعلى