وجهة نظر

مجتمع اللامعقول

2018-05-15 09:09:50 |
  • أسامة سلامة
  • صدمنى الخبر الذى نشر فى الصحف والمواقع الإلكترونية، منذ أيام، عن الحكم ببراءة طفل عمره أربع سنوات، من تهمة تقبيل زميلته فى الحضانة، التى تماثله فى السن، وكان والدها استشاط غضبا من تصرف الطفل وقدم بلاغا ضده.

    صدمتى ليست بسبب حكم البراءة، ولكن من موقف جميع الأطراف فى القضية، وتعامل الجهات معها بجدية تامة، واتخاذها جميع الإجراءات، وتداولها وكأنها قضية عادية مثل باقى قضايا الاعتداء والتحرش.

    تخيلت فى البداية أنها إحدى مسرحيات العبث واللامعقول، التى انتشرت فى الخمسينيات من القرن العشرين، ولكنى تذكرت أن هذا النوع من الفنون المسرحية له ضوابط وقواعد وأهداف أدبية وفنية وإنسانية رفيعة، وقلت لعلها فانتازيا أو خيال، ولكن للأسف مع مرور الأيام، وعدم تكذيب أى جهة لها أو تفسيرها، تبينت أن القضية حقيقية وحدثت بالفعل، وأنها موجودة فى سجلات المحاكم المصرية.

    الصدمة طرحت فى ذهنى أسئلة عديدة، كيف يفكر الرجل الذى قدم البلاغ، وأقام الدعوى ضد الطفل؟ وهل كان يتصور أنه سيحكم على الطفل، ويسجن أو ينتزع من حضن أبويه، ويودع فى دار إيواء مع من هم أكبر منه سنا من الذين ارتكبوا جرائم؟ وهل عرض هذا البلاغ على الشرطة فعلا؟

    وتم التحقيق فيه والتحرى عن الواقعة، وأنها أحالته للنيابة؟ وهل الأخيرة حققت فى الواقعة، وتبين لها ارتكاب الطفل للجريمة قبل أن تحيلها للمحكمة؟ وكيف تعامل المحامون مع القضية؟ وهل ترافعوا أمام القضاء للدفاع عن الطفل وفندوا الأدلة، وبحثوا عن الثغرات، وقدموا المذكرات القانونية؟ وما رأى القاضى الذى فوجئ بالقضية أمامه، واضطر لنظرها وقراءة أوراقها والاستماع إلى الشهود والمرافعة قبل أن يصدر حكم البراءة؟

    كنت أتصور أن الرجل الذى قدم البلاغ سيجد من أهل بلدته وأقاربه من يرده ويردعه، ويمنعه عن المضى فى هذا الطريق، وكنت أظن أن الشرطة ستوقف هذه المسرحية الهزلية، وتحل المشكلة وديا، أو أن النيابة ستحفظ البلاغ بدلا من أن تضيع وقت القضاء فى نظر هذا العبث، وكنت أتمنى أن يلقن القاضى الرجل صاحب الدعوى درسا إنسانيا، ويعاتبه على إساءة استعمال حق التقاضى، ويقضى بعدم قبول الدعوى لصغر سن المتهم.

    جانب آخر فى القضية يتعلق بحالة الطفل النفسية، وهو يتنقل بين الشرطة والنيابة والمحكمة، ونفس الأمر للطفلة التى أصبحت حديث البلد، أعتقد أن الطفلين يحتاجان إلى طبيب نفسى يعالجهما مما أصابهما طوال الشهور الماضية، والحمد لله أن العقلاء وأهل الخير لم يتدخلوا لإنهاء القضية بالطريقة العرفية، والحكم بعقد قران الطفلين فى قسم الشرطة أو النيابة درءا للفضيحة.

    أسامة سلامة
    للأعلى