وجهة نظر

تحدى الهوية

2018-05-10 10:05:23 |
  • إيرينى ثابت
  • بعد أن كان التحدى الأكبر لكل حضارة صغيرة هو أن تثبت وجودها على الساحة العالمية، وألا تذوب فى الثقافات التى تستند قوتها على ما وراءها من اقتصاد قوى، صار التحدى الأكبر هو تعريف هوية تلك الحضارات!

    نجح الفكر الغربى نجاحًا كبيرًا فى تفتيت هوية معظم حضارات العالم، وتشتيت أبناء كل حضارة منها باستخدام أخطر نواتج التكنولوجيا الحديثة.. ألا وهو العولمة، وقد بدأ استخدام مصطلح العولمة فى المجال الاقتصادى إذ أن أول من استخدمه هو أستاذ الاقتصاد الشهير بجامعة هارفارد ثيؤدور ليفيت عام 1983 فى مقال أكاديمى بعنوان: "عولمة الأسواق"، وكان ذلك حين بدأت شركات المشروبات والطعام السريع تبيع منتجاتها نفسها، كما هى فى العالم كله.

    وانتقلت العولمة فصارت سياسية وثقافية، وبدأت الثقافة مثلها مثل المنتجات الاستهلاكية تنتشر فى العالم كله دون أى انتباه للثقافات المحلية والخلفيات العقيدية والتاريخية والحضارية لكل مجتمع والتى تميزه عن غيره من المجتمعات.

    ويصح أن نقول إن تلك الأفكار الثقافية العولمية والتى صارت تشكل العقل العالمى ما هى إلا منتج اقتصادى بحت، مثلها مثل العولمة السياسية بالضبط.. فأصحاب المال أفرادا كانوا أو بلدانا يقررون المنظومة الفكرية الأنفع لهم.. فكر براجماتى خالص يتميز به أصحاب الأعمال.. فكر لا يخضع لموروثات، ولا مبادئ إنسانية ولا أخلاقيات عليا ولا عقائد دينية بل يبحث فقط عما يزيد من المكسب ويقلل الخسارة وينافس المنتجات الأخرى.

    ولما انهزم الفكر الاشتراكى تحت وطأة وقوة الرأسمالية الغربية، لم يعد هناك منافس للفكر الأوحد الذى صار هو الفكر العالمى أو بالأحرى "العولمى" الذى يحمل لكل فرد على سطح الكرة الأرضية ما يناسبه –أو ينفعه- من أخلاقيات وأفكار وانتماءات وسلوكيات لا علاقة لها بأى هوية وطنية أو محلية أو عائلية.

    ثم صار على المؤمنين بانتمائهم لبلدهم أو عقيدتهم أن يقفوا موقف المدافع تجاه ذلك التيار الجامح الذى يزيح من طريقه ما لا يتماشى معه، وبخاصة أن الإعلانات العالمية والاتفاقات الدولية صارت ملزمة سياسيًا لكل دولة صغيرة قبل الكبيرة على قبول العولمة السياسية، والتى تشمل أيضًا قبول العولمة الثقافية.. إعلان حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل، ثم تلا ذلك حقوق وحريات كل فرد على سطح الكرة الأرضية لممارسة ما يريد من سلوكيات طالما لا يؤذى غيره!

    كان من الصعب، بل المستحيل، الوقوف فى وجه الريح العاتية.. فانصاعت الدول للعولمة السياسية وشبّت الأجيال الجديدة على العولمة الثقافية وبخاصة مع الألفية الجديدة وإتاحة المعلومات كالسلع الاستهلاكية بأرخص الأسعار وبإعلانات ضخمة تفرض على المستهلك المسكين اقتناء تلك السلع الفكرية، بل واعتناقها.. وبدأ الانتماء الوطنى والعقيدى يتلاشى تدريجيًا بين أفراد الأجيال الجديدة.

    هنا بدأت الكارثة.. إذ بدأ دعاة الوطنية والثقافات المحلية بل والعقائد التنازل عن بعض معالم تلك الهويات لإرضاء الشباب وضمان تواجدهم داخل المنظومة الثقافية أو المؤسسة الدينية.. وبدا الأمر وكأن تلك الثقافات والعقائد تتصالح مع العولمة لأنها لا يمكن أن تهزمها.. ولأنها تخشى انفضاض تابعيها عنها.

    خطوات الكارثة ببساطة هو أن التخلى عن ملامح الهوية يتبعه تخل آخر، ثم آخر.. إلى أن تختفى ملامح وألوان تلك الهوية وتصير مسخًا عولميًا لا أصل له ولا جذور، ولا عمق له ولا أصول، ويصير أتباعها مواطنين عولميين ببطاقات هوية مزورة لأنها تقول إنهم ينتمون لذلك الوطن وتلك العقيدة، وهم فى حقيقة الأمر لا يعرفون ثقافة وحضارة وطنهم ولا حقيقة عقيدتهم!

    ولما يسعى وزير التربية والتعليم لتأصيل تعليم اللغة العربية يتهمونه اتهامات قاسية بتأصيل الطبقية، وكأن أبناءهم كانوا بالفعل يتخرجون من المدارس التجريبية وهم يرطنون بالإنجليزية! يا للعجب!

    يا ليتنا نعقد مؤتمرًا وطنيًا كبيرًا نحدد فيه عناصر الهوية تبعًا للمعطيات العالمية – ليست العولمية الجديدة - ونجيب على الأسئلة المصيرية، ومنها: هل تعتبر اللغة العربية من محددات الهوية المصرية؟ أم أنها عائق فى الدراسة لكل من يريد أن ينافس فى سوق العمل العالمية، وينبغى ألا نعترف بها كمحدد للهوية؟ هل تعتمد هويتنا المصرية على دراسة التاريخ مثلا؟ أم أن الانتماء ينبغى تنميته بمهارات التعليم الأساسى دون حاجة للغة المحلية ولا التاريخ الوطنى؟

    إذا ما استطعنا رسم ملامح الهوية المصرية سنكون قد اجتزنا التحدى الأكثر صعوبة.. المهم أن تتفق ألوان تلك الملامح مع الواقع العالمى حتى يمكن أن يتقبلها الجيل الجديد.. هل هذا ممكن؟ نعم! فما زالت حضارات الشرق الأقصى تحافظ على معظم ملامح هوياتها بالرغم من صعودها عالميًا.

    إيرينى ثابت
    للأعلى