وجهة نظر

فعلها السنغافورى «مدرسة تفكر.. وطن يتعلم»

2018-05-10 09:53:16 |
  • حنان أبو الضياء
  • ما بين الحين والآخر تضرب اليابان فى مقتل ما بين إبادة بالقنابل النووية أو كوارث طبيعية مدمرة، ولكنها تخرج من كل هذا أكثر قوة، وكأن مقولة نيتشه "كل الذى لا يقتلنى يقوينى" كتبت لهذا الشعب.

    إذا أردنا معرفة سر تقدّم اليابانيين، فلا مناص من إلقاء نظرة على تعليمهم، ومدى احترامهم للمعلّم، فلقد سُئل الإمبراطور اليابانى حول هذه المسألة، فقال: "إن دولتنا تقدّمت، فى هذا الوقت القصير، لأننا بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلّمنا من أخطائهم، وأعطينا المعلّم حصانة الدبلوماسى، وراتب الوزير".

    تلك الأفكار سيطرت علىّ إثر الحرب الضروس بين وزير التعليم المصرى وأولياء الأمور، ووجدتنى أستدعى من ذاكرتى كتاب هام عن التعليم A World-Class Education "التعليم على مستوى عالمى"، للكاتبة فيفيان ستيوارت، والتى تناولت فيه الخمس دول الأكثر تقدمًا فى التعليم، وهى "سنغافورة، وكندا، وفنلندا، والصين، وأستراليا"، وشد انتبهى أن الطفل فى التعليم العام الفنلندى يكون قد أتقن 3 إلى 4 لغات عندما يتم الـ 13 من عمره، ومفتاح النجاح فى فنلندا قرار فى عام 1979 بالحصول على درجة الماجستير لمدة سنتين لجميع المعلمين، حتى فى المدرسة الابتدائية، ومعلم الابتدائية لا يستطيع الحفاظ على وظيفته إلا إذا حصل على درجة الماجستير فى التعليم.

    وفى الواقع أن التعليم هناك خرج من أُطر الدروس التقليدية، وبرز بدلاً منها إلى النور حلقات النقاش، والبحث عن طريق الانترنت، وهو التعليم التفاعلى الذى يتحدث فيه الطالب أكثر من المدرس.. ولعل ما يميز التجربة الفنلندية أنها جعلت المعلمين من أول أولوياتها قولاً وفعلاً.. إلى جانب أنها انتقلت من النظام المركزى إلى غير المركزى فى إدارة شؤون التعليم، تلك الثورة التى جعلت فنلندا الأولى فى التعليم على مستوى العالم احتاجت إلى شجاعة المسؤول الذى قام بها، ومعرفة نقاط الضعف التعليم ونسفها، ووقوف أولياء الأمور الى جانب التجربة، وهذا عكس ما يحدث فى مصر على طول الخط.

    فى سنغافورة لديهم سياسة تسمى "تعليم أقل.. وتعلم أكثر" التى تهدف إلى تشجيع المناهج المبتكرة واستخدام أكثر من وقت للتدريس، وأساليب التعلم تتميز بالمرونة الكافية التى تمكن الطلبة من توظيف كامل إمكانياتهم، ويهدف النظام التعليمى بالأساس إلى مساعدة كل طفل على اكتشاف مواهبه، وعلى أن يكبر منذ المدرسة واثقًا بنفسه وبقدراته، والطريف أن أقل من 25% من الطلبة يستطيعون الوصول إلى الجامعة.

    يعود اهتمام سنغافورة بهذا الأسلوب من التعليم إلى عام 1997، وهو العام الذى عقد فيه المؤتمر الدولى السابع للتفكير فى سنغافورة وحضره 2400 ممثل لحوالى 42 دولة من مختلف بقاع العالم.. فى هذا المؤتمر طرح رئيس الوزراء السنغافورى جوه شوك تونج مبادرته لتطوير التعليم فى سنغافورة تحت شعار "مدرسة تفكر.. وطن يتعلم"، وطالب المسؤولين عن التربية فى بلاده أن يعيدوا النظر فى دور المؤسسات التربوية ودور المعلمين إزاء الطلبة المتعلمين، وأن ينتقلوا بمفهوم التربية من التلقين المعتمد على قدرات التذكر والحفظ إلى تعليم الطلبة مهارات التفكير والاتجاه نحو التعلم والتقصى الذاتى.

    أما فى الصين تطور أداء المعلم الصينى، فى السنوات الأخيرة، بشكل كبير، وأصبح محترفًا بما يتوافق مع هذا المصطلح، المعتمد من قبل منظّمة اليونسكو، والمنظّمات الدولية الأخرى ذات الصلة، وصار المدرس الحاصل على مؤهل جامعى تربوى، والذى أمضى فى مجال التدريس ثلاث سنوات فأكثر، الحق فى التقدّم لنيل درجة الماجستير فى التربية، بمجال تخصصه، والمعلم الصينى له مكانة متميزة، وينظر إلى مهنته باعتبارها من أكثر المهن احترامًا، وكثير من الأمثال والحكم المتداولة، تـعظّم من شأنه، ومنها على سبيل المثال: "من كان لى معلّمًا يومًا، غدًا لى صديقًا دومًا"، و"من علّمنى حرفـًا، فهو أبى مدى الحياة"، و"المعلّم مهندس الروح".

    يقوم النظام التعلیمى فى كوريا الجنوبية على وجود رؤية وفلسفة واضحة موجهة للتعليم، لذلك فى غضون ثلاثة عقود انتقلت كوريا من قائمة بلدان العالم الفقيرة إلى مصاف الدول الصناعية، نجحت كوريا فى فتح أبواب التعليم لكافة أبناء الشعب، واهتمت كوريا الجنوبية بإنشاء مدارس التدريب المهنى النموذجية التى تتطلب الدراسة بها عادة جانبًا عمليًا فى الشركات المحيطة، وتتحدد مهام وزيرها فى اتخاذ القرارات التى تتضمن تنفيذ سياسة الحكومة الكورية فى مجال التعليم، ومعظم الجامعات فى كوريا جامعات خاصة، وتطبق حالًیا نظام "یو بى كوتس" أى التعليم عبر الإنترنت، ويتاح التعليم للجميع داخل وخارج كوريا.

    وفى النهاية، لن تقوم لمصر قائمة سوى بنسف وهم النظم التعليمية المصرية، والوقوف على أرض الواقع بنظام يعتمد على التفكير والتحصيل.

    حنان أبو الضياء
    إقرأ أيضاً
    «دان براون» والهدف الخفى للروبوت «صوفيا»! 2018-04-26 10:05:48 غزو إسرائيل بمحمد صلاح! 2018-04-19 09:37:02 «بر بحر».. الجيل السادس من الحروب! 2018-04-12 10:37:11 سيدة المترو... ياريس! 2018-04-05 09:31:55 ليلة بكى فيها الإخوان 2018-03-29 09:40:08 أنجيلا ميركل.. أيقونة «برج السرطان»! 2018-03-15 10:51:32 المتصوفات فى عالم «نون النسوة» 2018-03-08 09:51:21 حكاية «زبيدة».. تحصيل حاصل! 2018-03-01 09:59:37 عقاب «كوربين» على طريقة «شيرين»! 2018-02-22 09:40:26 نفرتيتى بيضاء.. المسيح أسمر 2018-02-15 09:41:05 خليك فى البيت 2018-02-01 10:06:53 جاسوس القرن الحادى والعشرين! 2018-01-25 09:25:07 محراب المبدع «صبرى موسى»! 2018-01-18 09:29:50 فى إيران «2 + 2 = 5»! 2018-01-04 09:42:23 «الرايات السود».. والصراع بين «FBI وCIA»! 2017-12-28 09:38:03 بروباجندا «اللعب بالعقول»! 2017-12-21 09:23:48 الجاسوس «محمد مرسى» و«الكربون الأسود»! 2017-12-14 11:00:22 العاشق ..«وحيد حامد» 2017-12-07 09:39:43 الله.. و«بنات حواء الثلاث»! 2017-11-30 09:37:32 يا «شادية» الأرواح.. وداعا 2017-11-29 08:36:10 «السيسى» فى السينما الإيطالية! 2017-11-23 11:10:39 «نيوم» فى منتدى الشباب ! 2017-11-16 09:15:48 منتدى الشباب وأبوة السيسى! 2017-11-12 13:40:45 القرآن بالعبرى! 2017-11-02 09:19:53
    للأعلى