وجهة نظر

محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول

2018-05-08 12:30:50 |
  • أشرف الصباغ
  • الدكتور أشرف الصباغ

    إن الكتابة الكبرى قد تضع صاحبها فى مرمى نيران المجتمع، قبل نيران السلطة. والكتابة الكبرى هنا لا تندرج تحت بند البورنو أو الحديث، كما اصطلحت الثقافات والمعارف العربية، عن المحرمات والتابوهات الثلاثة. إنها أعمق وأشمل وأكثر عمومية من كل ذلك.

    على الرغم من التعامل الاستثنائى مع الكاتب الروسى فيودور دوستويفسكى، فقد رأينا المجتمع الروسى، قبل النقاد فى روسيا وفى العالم كله، يتعامل بفخر وكبرياء مع الكاتب الكبير باعتباره من كتاب الرواية الكبار، ما حوَّلَه إلى رمز ومثار فخر وافتخار. لكن فى الحقيقة، ومع مرور بعض الوقت وتجاذب أطراف الحديث مع العديد من المسرحيين والروائيين والمهتمين – المتخصصين فى عالم دوستويفسكى، اتضح أن الروس فى قرارة أنفسهم لا يحبونه، وأحيانا يشيحون برؤوسهم فى ضيق وغضب عند ذكره أو ذكر أى من النماذج البشرية التى خلقها. والسبب هو أن دوستويفسكى وضع يده على أعمق المناطق المظلمة فى الروح الروسية، بل والروح الإنسانية عموما.

    لدى دوستويفسكى العديد من الأعمال التى ظل النقاد وأصحاب دور النشر يعتبرونها، ليس بنفس قيمة المؤلفات المشهورة. ولكن هذه الأعمال تحديدا كانت تعكس جانبا كبيرا من السيرة الذاتية للكاتب الروسى الكبير التى فضح فيها المجمتع الروسى، وأظهر العديد من الجوانب المظلمة فى الروح الإنسانية. لقد كان عبقريا متطرفا فى كل شىء وربما يعود هذا التطرف إلى طبيعة الشخصية الروسية، سواء فى علاقتها بالمناخ والطقس وظروف الطبيعة، أو فى علاقها بالسلطة التى كانت دوما قادرة على التعامل مع الأحزاب السياسية والمنظمات السرية والعلنية، ولكنها لم تكن قادرة أبدا على مثل هؤلاء الكتاب.

    أما جوجول فقد تعامل بطريقة أخرى نسبيا مع تلك الروح ففضحها أيضا وكشف عن عوراتها. أى أن الكاتبين (جوجول ودوسويفسكى) وجهان لعملة واحدة. وهناك أوجه شبه بارزة الملامح بينهما: التدين، والمرض النفسى، واستعداء السلطة، الكشف أو الفضح (وإن اختلفت الأساليب). واختلاف الأساليب هو الذى كاد يودى بدوستويفسكى إلى الإعدام، بينما دفع بجوجول إلى حالة من الجنون المرضى.

    لم تكن عبارة دوستويفسكى (كلنا خرجنا من معطف جوجول) مجرد مبالغة أو محاولة بلاغية قصد منها إجلال الرجل، وإنما كانت نابعة أساسا من قناعته بأن الأدب الروسى الحقيقى قد بدأ فعليا بجوجول. أما المقصود بـ "معطف جوجول"، فهو قصة "المعطف" التى اعتبرها دوستويفسكى مثالا نموذجيا للعمل الفنى.

    لقد اعتبر البعض جوجول مؤلف "كتب مضحكة جدا"، و"فكاهى لا نظير له"، غير أن كتاباته المضحكة تشابكت مع عالم غير مرئى من التراجيديا والدموع والكوارث النفسية البشرية. ففى ملحمته الخالدة "الأرواح الميتة"، لم يتعلق الناس بالملحمة لعرضها الهجائى فحسب، بل لأنها تضمنت العديد من الملاحظات الحادة حول الذهنية الروسية، وطريقة التفكير، واللغة المنطقية، والروح المنفلتة، والمواهب المبدعة. وبفضل القدرة الإبداعية الفذة لجوجول، اكتسبت رحلات تشيتشيكوف أهمية عظيمة حيث ظهرت كسلسلة ليس فقط من خلال صور شخصيات مضحكة، بل وإظهار حالات يومية وأوصاف رائعة عن الطبيعة الروسية، كل هذه الصور تشابكت فى سياق انفعالات فلسفية حول روسيا، والروح الروسية والمزاج الروسى. وحتى الآن لا يعرف أحد ماذا كان يقصد جوجول بـ "الأرواح الميتة": الأرواح التى كان يشتريها تشيتشيكوف فعلا، أم أرواح الأحياء سواء أبطال الرواية بمن فيهم تشيتشيكوف أو العديد من أولئك الذين يتحركون بيننا ونتعامل معهم يوميا؟!

    وخلال قراءة روايته الكوميدية الأفضل من وجهة نظر الكثيرين، "المفتش العام"، من الممكن الإحساس على الفور بمرارة الكاتب فى وصف "الجانب المظلم" من حياة تلك المجتمعات. ومن الطريف هنا أن نتذكر ملاحظة القيصر الروسى نيقولاى الأول عندما شاهد عرض الافتتاح لمسرحية "المفتش العام" عام 1836 حيث قال: "لقد حصل كل شخص على ما يستحق، وأنا أكثر من غيرى". وفى الحقيقة، فالوجهاء أيضا لم يخفوا عدم رضاهم، بينما الجمهور كان منتشيا.

    دوستويفسكى وجوجول، وجهان لعملة واحدة، يجمع بينهما الكثير على الرغم من إمكانية وصفهما بطرفى النقيض. أى تلك المأساوية لدى الأول، والسخرية والإضحاك لدى الثانى. غير أن السوداوية تجمع بينهما، وتوحد عالميهما اللذين يبدوان متناقضين. وبين هذين النقيضين، أو كما يبدو ذلك، يقف نجيب محفوظ الذى وضع يده أيضا على الكثير من المناطق النفسية والروحية المنحطة فى الإنسان المصرى، والمجتمع المصرى.

    لقد نجح محفوظ أيضا فى الوصول إلى الكثير من المناطق المظلمة فى أرواحنا.. أرواح المجتمع المصرى، والإنسان المصرى، وسخر بجدية من بنية هذا المجتمع المنحط. كما أن خلق نجيب محفوظ للعديد من نماذجه الإنسانية، التى دخلت إلى الميثولوجيا المصرية بجدارة، مثل "سى السيد" و"محجوب عبد الدايم" و"إبراهيم فرج"، وكذلك النماذج النسائية، مثل "أمينة" و"حميدة" و"إحسان".. كلها تؤكد إلى جانب العديد من النماذج الأخرى فى أعماله الكثيرة أنه كان، ولا يزال، يُشَرِّح المجتمع المصرى، ويصل بمشرطه إلى أعمق أعماقه المظلمة. ولكنه سار على حد الموسى فى طريق شاق بين كل من دوستويفسكى وجوجول، ربما لطبيعة الشخصية المصرية وتركيبتها ومقوماتها التى ترتبط أيضا بالعديد من العوامل، سواء كانت تتعلق بالمناخ والطقس، أو بطبيعة السلطة والمنظومة الاجتماعية.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    اللعب الروسى الأمريكى الخطير فى سوريا 2018-12-04 12:08:59 حرب المعلومات والتكنولوجيا الرفيعة بين روسيا وأمريكا 2018-11-27 16:55:33 وسائل الاتصال الحديثة والمفهوم التقليدى للنخب 2018-11-20 13:03:39 المهمة الأخطر للجيش الأوروبى الموحد 2018-11-13 09:54:51 مصير المثقف فى عصر التحولات العلمية التقنية 2018-11-06 20:09:30 مسامير جحا فى إدلب 2018-10-30 15:14:24 أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30
    للأعلى