وجهة نظر

ممكن؟ لا مستحيل!

2018-05-03 10:04:09 |
  • إيرينى ثابت
  • قال وزير التعليم المصرى للناس: "هل من الممكن أن تتفهموا النظام التعليمى الجديد"؟ وقبل أن يكمل السؤال.. ودون أن يسمع كثيرون ما قال.. أجاب الذين لا يقبلون التغيير والإبدال.. وقالوا فى صوت واحد: "محال".

    لماذا يصر كثير من الآباء والأمهات على عدم تغيير نظام التعليم فى بلدنا؟ لماذا نرفض المشروع قبل أن نفهمه؟ لماذا نقيّم النتائج وننتهى إلى استحالة تطبيقه قبل أن ندرس تفاصيله؟ أسئلة محيرة وبالأكثر إذا ذكرنا أيضًا بعض الحقائق التى لا تخفى على أى مصرى ومنها: أننا نعانى منذ عقود من نظام تعليمى لا يمكن وصفه إلا بكل من ينافى النجاح والحداثة واكتشاف المهارات.. وأن معظم الذين يعانون تحت وطأة هذا النظام يخرجون منه أنصاف متعلمين وأحيانًا أقل من نصف متعلم.. وأن الآباء والأمهات يعانون مع الأبناء ماديًا ونفسيًا منذ السنة الأولى الابتدائية وحتى الثانوية العامة.

    والحقيقة هى أنه بالرغم من اتفاق الجميع على فشل المنظومة التعليمية الحالية، يرفضون التغيير لشكل ومحتوى آخر من التعليم الحديث والأسباب فى رأيى هى:

    أولاً: يميل كثيرون للأخذ بفكرة: "اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفهوش".. وقد خبرنا النظام الحالى وعرفنا من أين نسد عواره والدروس الخصوصية تقوم بتلقين الطالب وإعداده للامتحان "الوحيد" وخلاص.. ويتناسى هؤلاء أنهم يتم استنزافهم ماديًا.. ويتناسوا أن ما يعرفونه هو نظام بال ومتهالك، وأن أبناءهم لا يتعلمون شيئًا كما أن معظمهم صار يكره العلم!

    ثانيًا: يعتقد كثيرون أن النظام الجديد الذى سيرتكز بدرجة كبيرة على إجادة الطلاب فى استخدام التكنولوجيا الحديثة سوف يعوق أبناءهم عن التفوق! وهى فكرة خاطئة بكل المقاييس لأن الأجيال الجديدة مهما بلغت درجة أمية ذويهم، يتعاملون مع التكنولوجيا الحديثة بسلاسة منقطعة النظير.. ولا أدلّ على ذلك من ابنة بائعة الخضار التى تمسك الموبايل وتجوب الانترنت وتحادث زميلاتها بالكتابة السريعة، فلا تكاد ترى أناملها الرقيقة وهى تلمس الشاشة فتجرى السطور سريعًا للأعلى!

    ثالثًا: يرى كثيرون أيضًا من الآباء والأمهات أن استهداف العقل وتنمية قدرات الدارسين على البحث وقياس المهارات العقلية المختلفة وليس الحفظ وحده.. يرون أن هذا يضر بمستوى الأبناء.. وأن المنطقة الآمنة هى التلقين والحفظ.. وأن هذا يضمن المجموع الكبير للأبناء.. وهو أيضا تفكير عقيم وساذج.. إذ أن المجموع الكبير عندما يصير لكل الأبناء ترتفع درجات القبول بكليات القمة وتظل النسبة الأعلى مجموعا والمحدودة العدد هى وحدها التى تلتحق بتلك الكليات "أرفض تسميتها بكليات القمة".. كما أن المنطقة الآمنة هى التى تجعل أبناءكم أناسًا لا يعرفون كيف يتعاملون مع الواقع الحياتى ويفتقرون للخبرات العملية ويفشلون فى البحث عن أية معلومة..

    رابعًا: يظن البعض أن فكرة الكتاب المدرسى المقدس لابد أن تبقى.. ويناهض هؤلاء نظام انفتاح التعليم واقتناء المعلومة من أى مصدر وعدم قصرها على كتاب واحد.. مع أن هذا هو أفضل وأرقى ما جاء به هذا النظام فى رأيى!! يرى هؤلاء أن الالتزام بالكتاب المدرسى الأوحد يحتم أن يكون الامتحان من بين صفحات الكتاب مما يؤمن للأبناء الدرجة "النهائية" طالما "حفظوا الكتاب من الجلدة للجلدة".. وهنا أنأى بنفسى عن التعليق!

    أخيرًا: يعتقد الآباء والأمهات أن التعامل مع آليات النظام الجديد وقواعده والخضوع للامتحانات المتكررة وفهم تلك الآليات سيكون صعبا لأنها غير تقليدية ولأنهم هم أنفسهم سيجدون صعوبة فى استيعابها ودراسة خطواتها.. ولا يستطيع هؤلاء أن يفهموا أن أبناءهم سيتعاملون مع تلك الآليات بشكل أفضل منهم مائة مرة.. وسيسألون.. وسيفهمون.. وسيسيرون دون أن يتعمدوا على الآباء وهذا هو الطريق الصحيح لإنتاج جيل واع، وليس معتمدًا على الأهل.

    أتمنى ألا يقيس الآباء أبناءهم بمقاييسهم القديمة.. وأن يستوعبوا أن هذه الأجيال الجديدة تمتلك من الذكاء والقدرات والامكانيات أكثر من القدامى.. أتمنى أن يمنح الآباء الثقة لأبنائهم وأن يدركوا أن التفوق الدراسى ليس إلا جزء من الشخصية المتكاملة التى من الأفضل أن نتركها تكتشف وتبحث وتخطئ وتصيب وتحتار وتعرف وتسأل وتقع وتقوم وتنال درجات ضعيفة فى احد الامتحانات وكبيرة فى امتحان آخر وتحصل على مجموع كبير أو متوسط لكن تحب العلم والمعرفة وتستطيع أن تكتسب خبرات الحياة فتواجه العالم بفكر مستقل ووعى عصرى..

    عندما يأتيكم وزير التعليم بسؤال: ممكن؟ أجيبوا: طبعًا ممكن.. لابد أن يكون ممكنًا.

    إيرينى ثابت
    للأعلى