وجهة نظر

نجيب محفوظ ومحمد صلاح

2018-05-01 16:02:43 |
  • د.أشرف الصباغ
  • من الطبيعى أن يغضب "المثقفون" عندما يقول أحد إن شهرة محمد صلاح تجاوزت شهرة نجيب محفوظ. ومن الطبيعى أن يغضب جمهور محمد صلاح ومن يرونه أشهر من نجيب محفوظ، عندما يصفهم "المثقفون" بأنهم جاهلون.

    نحن أمام حالة استقطاب "كوميدية"، تزيد من "خفة دمها" معارك المصريين الصغيرة التى تبدو لكل واحد منهم أنها أهم معاركه الحياتية على الإطلاق. ولكن دعنا ننظر إلى المقارنة من زاوية العلاقة بين صلاح ومحفوظ.

    فى الحقيقة، لا توجد أى علاقة مباشرة بين الرجلين. فالأول، لاعب كرة عالمى مشهور ومجتهد ومحبوب. والثانى كاتب مهم محليًّا وعالميًّا، حصل على جائزة نوبل فى الأدب.

    الأول، ليس مطالبًا بقراءة نجيب محفوظ، ولكنه قد يكون قرأ عنه أو اطَّلَع على عمل من أعماله، وربما يكون قد شاهد فيلما عن إحدى رواياته. والثاني، ليس مطالبًا بتشجيع الأول أو متابعته، خاصة أنه رحل عن عالمنا منذ سنوات طويلة. ولكن هذا لا يستثنى أبدًا أن يكون الكاتب مهتمًا بكرة القدم، ضمن اهتماماته الكثيرة الأخرى، وربما يكون مشجعًا لأحد النوادى، ولديه نجم محبوب فى هذا النادى أو ذاك.

    لا وجه للغضب، أو الاتهام بالجهل. كل ما فى الأمر، أننا وضعنا أنفسنا فى زوايا ضيقة للغاية، وبدأنا ننظر إلى العالم من أضيق ثقوب هذه الزوايا. وفى كل الأحوال، العالم يسير وفق قوانينه الخاصة وتوازناته وموازين قوته، بصرف النظر عن تلك الآراء والنظرات "الكوميدية" التى لا تتعامل إلا مع الجزء الطافى من جبل الجليد.

    إن كل ذلك، يذكِّرُنا بأولئك الرؤساء والمديرين الذين يتعرضون للسباب والنقد. ويذكرنا بأبنائهم وأقاربهم ومحبيهم، عندما يرون أحدًا يسب هؤلاء الرؤساء والمديرين أو يعلن عن كراهيته لهم. والسؤال الطبيعى الذى يطرح نفسه هنا بتلقائية: مَنْ مِنَّا غير غاضب من رئيسه أو مديره، ومَنْ مِنَّا غير ناقم على رئيسه ومديره، بل وزميله الأعلى منه فى التراتب الوظيفى؟! ومع ذلك، فالعالم يتحرك إلى الأمام، بصرف النظر عن طبيعة هذه الحركة، وبغض النظر عن الرفض والقبول، أو الرضا والنقمة، أو السب والمديح.

    كل ذلك يحيلنا إلى فكرة "العمل" وقيمته، وفكرة الدأب والاستمرارية والتواصل. ولو كانت الحياة مجرد "كرة قدم" فقط، أو "كتابة وأشعار" فقط، أو "فن ورقص وحب" فقط، لكانت مملة وباهتة وبائسة. الحياة ببساطة هى كل ما يحدث فيها، وكل ما يظهر ويختفى ويتحول، وكل المجالات والتخصصات والأفكار والأفعال. وهى أيضًا الرياضة والثقافة والفن والعلم والضحك والحب والرقص والموسيقى والشعر والرسم والطرب و......

    فى الحقيقة، محمد صلاح ونجيب محفوظ، اسمان، ضمن أسماء كثيرة تشكل أحد محاور القوة الناعمة للدولة المصرية. ومن الطبيعى والصحى أيضًا، أن تتواجد كل الأسماء فى كل المجالات، وتحدث المنافسات والصراعات فى كل مجال، لا من أجل النفى والتهميش والإخفاء، ولكن من أجل التأكيد على "الحركة إلى الأمام"، وتكريس فكرة المنافسة والصراع والتنوع بهدف ترسيخ جملة من المبادئ النظرية من جهة، وتأسيس أو بناء كيانات فردية أو جماعية تساهم فى تعميق وتوسيع القوى الناعمة للدولة من جهة أخرى.

    المسألة ليست فى شهرة صلاح أو نجيب محفوظ أو ثقل طه حسين والعقاد والحكيم، أو خفة سعاد حسنى وشادية، أو عبقرية حسن الأسمر وعدوية.. المسألة ببساطة تكمن فى غياب ليس فقط معايير القوى الناعمة، بل أيضًا الآلية التى تعمل على تنظيم هذه القوى وتنوعها وتطويرها، وكيفية استخدامها داخليًّا وخارجيًّا، بدلا من تعطيلها أو نفيها أو تهميشها لصالح مكاسب دنيئة وبائسة.

    نجيب محفوظ ومحمد صلاح
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11
    للأعلى