وجهة نظر

«دان براون» والهدف الخفى للروبوت «صوفيا»!

2018-04-26 10:05:48 |
  • حنان أبو الضياء
  • منذ عدة أسابيع زار الروبوت "صوفيا" مصر ضمن جولة حول العالم بعد طرح رواية الأصل "Origin" للكاتب دان براون.

    بالطبع لم يتوقف أحد أمام حالة الامتزاج بين إظهار القدرات الخارقة للروبوت "صوفيا " وفكرة رواية "الأصل"، وخاصة أن ما يقدمه العالم الغربى من محتوى فكرى وثقافى ليس محض صدفة، ولكن ضمن خطة ممنهجة لشيء تظهر نتائجه مستقبلاً، كما يحدث دومًا.

    "دان براون" مثير للجدل مع بطله "روبرت لانجدون"، الشخصية الخيالية التى ظهرت بداية فى رواية ملائكة وشياطين، وشفرة دا فينشى، والرمز المفقود، والجحيم، وهو عالم الرموز والبروفيسور فى جامعة هارفارد صاحب المغامرات الشيقة والمعقدة، القادر على دمج الحاضر مع الرموز التاريخية لكشف المقصود.

    فى الغالب، تلك الرموز لها مدلول دينى وعقائدى كبير، وربما الاستمرار على هذا النهج فى التناول من قبل المؤلف له مدلول ذاتى لرؤيته نحو الهوس الدينى وتأثيره على العالم، إلى جانب أن الاقتراب من هذا المنحى بمثابة جواز مرور إلى عالم الجدل المانح النجومية لصاحبه، وهذا ما ظهر جليًا فى عمله الأشهر "شفرة دا فينشى".

    فى عمله الجديد، الذى لا يقل إثارة للجدل من "شفرة دا فينشى"، يحاول طرح سؤالين جدليين عن أصل الجنس البشرى، وإلى أين يتجه البشر فى السنوات القادمة؟ ومن شاهد وتابع الروبوت صوفيا فى جولتها حول العالم، ومنها مصر، قد يجد نفسه طواقًا للبحث معه ضمن أحداث الرواية عن الإجابة عن السؤالين الأكثر تداولًا وإثارةً للجدل منذ بدء البشرية وحتى اليوم.

    أطروحة "دان براون" الروائية الجديدة تتعدى فى المناقشة الحد الفاصل بين الإلحاد والإيمان، وإن كان أكثر ميلاً نحو الإلحاد من خلال البطل المشارك "روبرت لانجدون" أحداث الرواية "إدموند كيرش"، والذى دعا المثقفين حول العالم إلى متحف جوجنهايم فى بلباو، إسبانيا، للكشف عن حقيقة ستسبب أزمة مع المعتقدات الدينية الراسخة فى الديانات السماوية الثلاثة، معتمدًا على إيمانه بأن فكرة الحياة يمكن أن تنشأ باستخدام قوانين العلم، وربما هذا هو الهدف الخفى لجولة الروبوت "صوفيا "حول العالم!.

    بالتأكيد إن تلك الأطروحة العقائدية قد تتسرب إلى عقول البعض مع رؤية حوارات الروبوت صوفيا مع وسائل الإعلام فى جميع أنحاء المعمورة، وخاصة أن النقاش والجدل الدينى حول تلك النوعية من الأفكار الفلسفية التى تدور فى عقول الجميع على مختلف مستوياتهم الثقافية مقفول عليها "بالضبة والمفتاح"، كما يقولون من الكهنوت الدينى لكل الأديان، فقد توقف التحاور والنقاش منذ أمد بعيد وأصبحنا مجرد وعاء لتلقى كل ما يقذف إليه من رجال الدينى بدون أعمال لعامل العقل، ما تسبب فى سيطرة بعض الأفكار المتطرفة البعيدة تمامًا عن صحيح الأديان.

    ربما علينا الإيمان بما يقوله بطل الرواية "لانجدون": "يجب أن تكون لدينا الرغبة فى التخلى عن الحياة التى خططنا لها، لكى ننال الحياة التى نستحقها" وتلك المقولة فى حد ذاتها اقتبس للمؤلف دان براون من الكاتب الأمريكى "جوزف كامبل" الميثولوجى الأمريكى، صاحب كتب الأساطير، المعتمدة على المقارنة وعلم الأديان والتى تضمنها كتابه البطل ذو الألف وجه: "الطريق إلى ما هو إنسانى يوجد فى أن نتعرف من جديد على الشرارة الإلهية فى جميع تحولات الوجه الإنسانى الذى لا يستنفد".

    وبالطبع استفاد "دان براون" من طرح اسم "أنطونى جاودى" ضمن أحداث روايته، وهو أسلوب يعتمد عليه المؤلف فى رواياته لإعطاء العمل ثقل ثقافى إلى جانب قدر من التصديق لإمكانية حدوث ما يقوله، وخاصة أن "أنطونى جاودى" من أشهر المهندسين المعماريين الإسبان وأهم إنجازاته كنيسة ساجرادا فاميليا "العائلة المقدسة" التى دارت فيها معظم أحداث الرواية، وطرح اسمه كخلفية للرواية يرجع إلى أن "أنطونى جاودى" كان ملتزمًا كواحد من الروم الكاثوليك خلال حياته، وتتخلل الصور الدينية أعماله، ولهذا أطلق عليه لقب "معمارى الرب"، وهو ما فعله أيضًا عندما ضمن حل لغز الرواية من خلال أحدى قصائد الشاعر الإنجليزى الشهير "وليم بليك" صاحب الرؤية الصوفية فى الشعر وفى الرسم، والمؤمن بتفوق الخيال على النظريات المادية.

    ظل دان براون يردد بين سطور الرواية مقولة: "سيزيل العلم النقى المعتقدات المظلمة لكى تزدهر الأديان النيرة".. وفى الحقيقة، فإن الأخطر فى الرواية هو الوصول إلى نتيجة خطورة الذكاء الاصطناعى الذى صنعه الإنسان بنفسه، وتتسم بها البرامج الحاسوبية ما يجعلها تحاكى القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، من القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل، وهو الرسالة التى يحاول توصيلها الربوت "صوفيا".

    فى النهاية، أتمنى أن تكون الرواية وصوفيا سببًا فى العودة إلى الجدل الفلسفى وتجديد الخطاب الدينى فى حدود المناهج العلمية، حتى نتخلص مما عانينا منه من نكسات فادحة عبر التاريخ.

    حنان أبو الضياء
    إقرأ أيضاً
    «وراس أبويا».. بحبك! 2018-06-21 09:47:25 المنتحرون تقربًا إلى الله! 2018-06-14 10:00:33 مسلسل الرعب «الإنترنتاوى»! 2018-06-07 10:28:16 «برنارد لويس».. مات غير مأسوف عليه! 2018-05-31 09:57:18 سر الخلطة التميمية للتقرب من «الجماعات اليهودية» 2018-05-26 09:16:11 فعلها السنغافورى «مدرسة تفكر.. وطن يتعلم» 2018-05-10 09:53:16 غزو إسرائيل بمحمد صلاح! 2018-04-19 09:37:02 «بر بحر».. الجيل السادس من الحروب! 2018-04-12 10:37:11 سيدة المترو... ياريس! 2018-04-05 09:31:55 ليلة بكى فيها الإخوان 2018-03-29 09:40:08 أنجيلا ميركل.. أيقونة «برج السرطان»! 2018-03-15 10:51:32 المتصوفات فى عالم «نون النسوة» 2018-03-08 09:51:21 حكاية «زبيدة».. تحصيل حاصل! 2018-03-01 09:59:37 عقاب «كوربين» على طريقة «شيرين»! 2018-02-22 09:40:26 نفرتيتى بيضاء.. المسيح أسمر 2018-02-15 09:41:05 خليك فى البيت 2018-02-01 10:06:53 جاسوس القرن الحادى والعشرين! 2018-01-25 09:25:07 محراب المبدع «صبرى موسى»! 2018-01-18 09:29:50 فى إيران «2 + 2 = 5»! 2018-01-04 09:42:23 «الرايات السود».. والصراع بين «FBI وCIA»! 2017-12-28 09:38:03 بروباجندا «اللعب بالعقول»! 2017-12-21 09:23:48 الجاسوس «محمد مرسى» و«الكربون الأسود»! 2017-12-14 11:00:22 العاشق ..«وحيد حامد» 2017-12-07 09:39:43 الله.. و«بنات حواء الثلاث»! 2017-11-30 09:37:32
    للأعلى