وجهة نظر

مزمور المطر

2018-04-26 10:05:50 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    فجأة اكتشفت أن للأمطار فائدة ثقافية.. فى ظل هذه الموجة الموسمية.. التى لم نتحسب لها بعد انقضاء الشتوية.. إذ أن ما ضج به الناس من انعدام الاستعدادات.. لمواجهة الأنهار والشلالات.. لا ينفى أن للأمطار شعر وأبيات.

    سوف يكتب الجميع عن تلك المشكلات التى انفجرت فى وجوه سكان مناطق عديدة فى العاصمة بسبب انهمار الأمطار فى موجة متوقعة.. ولم يكن أبدًا من المنتظر أن تفضح الأمطار الاستعدادات المنعدمة، والبنية التحتية الفقيرة لمناطق جديدة وقديمة.. ويبدو أن المطر فاضح.. ولمَ لا والمياه تغسل الألوان وتكشف المكان، والإنسان.

    أما أنا، فقد ذهبت لمنطقة أخرى تفيض مطرًا، ولكنها ليست فى التجمع ولا المعادى.. بل على صفحات القصائد وبين سطور الشعراء.. ورحت أقرأ كيف رأى الشعراء المطر ورموزه.. وهل رأوه فاضحًا للمشاعر أم للألم أم انعكاسًا للفرح؟ فوجدت المطر ينهمر فى سطورهم جميعًا، ولكن لكل منهم رأيه ورؤيته.

    يرى بعض الشعراء العراقيين أن المطر أحيانًا يبعث على الحزن.. ففى "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب يقول:

    أتعلمين أى حزن يبعث المطر؟

    وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟

    وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟

    بلا انتهاء – كالدم المراق، كالجياع،

    كالحب، كالأطفال، كالموتى – هو المطر

    شاعر عراقى آخر، هو عدنان الصائغ، يرى فى المطر فرصة للتعبير عن شجونه الوطنية فيكتب قصائد "المطر" عام 1991، ويقول فى جزء منها:

    حين يموت المطر

    ستشيع جنازته الحقول

    وحدها شجرة الصبير

    ستضحك فى البرارى

    شامتة من بكاء الأشجار

    ترى هل يمكن للقارئ أن يفهم الأبيات بشكل آخر؟ ألا يعبر المطر عن الحب؟ إذن قد يكون الكارهون الذين لا يعرفون الحب هم شجيرات الصبير.. أليس كذلك؟

    أما فاروق جويدة فهو فى قصيدته "أحزان ليلة ممطرة" يذكرنى بصديقتى الشجاعة جدًا فى الحياة، ولكنها تخاف المطر.. تخاف الرعد والبروق.. فماذا يقول جويدة:

    السقف ينزف فوق رأسى

    والجدار يئن من هول المطر

    وأنا غريق بين أحزانى تطاردنى الشوارع للأزقة.. للحفر..

    ولكننى أذهب فورًا باتجاه نزار قبانى.. ناحية "حزب المطر".. وأقول معه لصديقتى:

    لا تقولى: عد "عودى" إلى الشمس.. فإنى

    أنتمى الآن إلى حزب المطر

    ويرى نزار وآخرون أن المطر هو الالهام والجمال والحب، فيقول فى مطلع قصيدته "سبتمبر":

    الشعر يأتى دائما مع المطر

    ووجهك الجميل يأتى دائما مع المطر

    والحب لا يبدأ إلا عندما تبدأ موسيقى المطر..

    أما السيدات فيعرفن أن المطر ليس موسما بل ظاهرة دائمة حتى لو كانت تأتى بغتة.. فتكتب أحلام مستغانمى قصيدة رائعة بعنوان "مواسم لا علاقة لها بالفصول".. وتبدأها قائلة:

    هناك مواسم للبكاء الذى لا دموع له

    هناك مواسم للكلام الذى لا صوت له

    هناك مواسم للحزن الذى لا مبرر له

    ثم تتبع ذلك بسطور كلها جمال وتصل إلى هذا المقطع الكامل الذى تحكى فيه عن ذلك الركن الذى لا يتوقف فيه المطر:

    هنالك قطارات ستسافر من دوننا

    وطائرات لن تأخذنا أبعد من أنفسنا

    هنالك فى أعماقنا ركن لا يتوقف فيه المطر

    هنالك أمطار لا تسقى سوى الدفاتر

    هنالك قصائد لن يوقعها الشعراء

    هنالك ملهمون يوقعون حياة شاعر

    هنالك كتابات أروع من كاتبها

    هنالك قصص حب أجمل من أصحابها

    هنالك عشاق أخطأوا طريقهم للحب

    هنالك حب أخطأ فى اختيار عشاقه

    هل هو ركن الدموع، أم ركن أمطار الإلهام، أم ركن الحب المتدفق؟! كلها أمطار لا تتوقف مهما تغيرت الفصول.. هو كما رأته مستغانمى موسم دائم.

    وفى بحثى عن شعر الأمطار.. وهروبى مما كشفته فى الواقع من عوار.. وحصار "فيسبوك" لى بكل ما يلعن المطر من اليمين واليسار.. قررت الهروب كما الشعراء وكتبت على "فيسبوك" مزمور المطر لعل بعضا من المحاولات الثقافية تخفف قليلا من تلك الأزمة الشعبية.. ولو أن كل من تضرر معه كل الحق فى الغضب..

    مزمور المطر:

    يباغتنا المطر

    كالحب.. كالموت.. كالقدر..

    ما الذى يتساقط مثل المطر؟

    الأتربة، الأقنعة،

    مساحيق الوجوه،

    وأوراق الشجر،

    النجوم، والقلوع،

    السدود، والقيود،

    والدموع تنهمر..

    وماذا بعد المطر؟

    الهدوء، والسكون..

    الوجود يتضح..

    وقوس قزح..

    "الرب يأتى كالمطر"

    الرب يطعم الأيائل..

    الرب يحرس الهياكل..

    يسكن قلوبا

    ليست من حجر..

    الرب حضر..

    إيرينى ثابت
    للأعلى